إذا لم تستطع التملك فلا تفعل

إذا لم تستطع التملك، فلا تفعل”. هذه قاعدة أساسية في كل عملية شراء، ولكن لها أهمية كبرى عند أحد أهم القرارات الشرائية اليوم، وذلك هو قرار تملك المنزل. وعلى الرغم من أن عدم القدرة يعني أنك فعليا لا تستطيع، إلا أن تسهيل برامج التمويل يجعل المستحيل ممكنا، وهنا مكمن الخطر.

How-Mortgage-Insurance-Cover-Works-for-You

نعم، بالأرقام، قرار التملك أفضل من غيره – مقارنة بالإيجار مثلا – ولكن في بعض الحالات، وبالأرقام أيضا، هو قرار خاطئ بالمرة مع النمو السكاني المستمر الذي يقترب من 3 في المائة سنويا وارتفاع مؤشرات الأسعار كذلك، يتعاظم الضغط على المواطن في عملية غير متوازنة، ويزيد من ذلك تأخر البرامج الوطنية المتعلقة بالإسكان مع منح البنوك الضوء الأخضر للتمويل. عندما تأتي الضغوط مع المغريات تصبح عملية اتخاذ القرار أصعب، والخطأ أكثر احتمالا. ومما يفاقم من المشكلة هو أننا بطبيعتنا لا نؤيد قراراتنا الشخصية بأسلوب علمي وأحيانا بدون حتى “حِسبة” بسيطة، بل يكون المؤثر الأكبر هو نقاش دائر في استراحة أو ضغط مستمر من الأقارب.

حالة مختلف، قرار مختلف

لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نقول إن التملك دائما أفضل، أو الإيجار دائما أفضل؛ لأن المعطيات تختلف حسب ملاءة الشخص والظروف الاقتصادية الراهنة، بل إن قرار التملك يختلف جذريا حسب مكان إقامة الشخص داخل الدولة نفسها؛ ظروف التملك مثلا أفضل لساكن القرية من الإيجار، بينما لا تكون كذلك لمن يقرر أن يسكن في وسط المدينة أو من يتنقل بين المدن لأسباب مهنية، تدخل في المعادلة تكلفة التمويل الحالية، ومدى قدرة الشخص على الاستفادة من البرامج المتاحة، إضافة إلى خطته الخاصة بالاستثمار والادخار. لا بد أن يقوم الفرد بدراسة كل من: توقيت الشراء، أسلوب التمويل، وخصائص المسكن المستهدف بطريقة موضوعية ومستقلة.

لا يشتري أحدهم مسكنا فقط لأن الأسعار معقولة – وهي قطعا ليست معقولة الآن – ولا يقترض من أجل ذلك لأن التمويل سهل وممكن، بل هو في الأساس يبحث عن مكان يعيش فيه بارتياح، ولأن لديه القدرة المادية على ذلك، ولأن معطيات الصفقة تشكل فرصة جيدة له. من يحاول التملك وهو لا يمتلك الملاءة الكافية، يرهق نفسه وأسرته بقية عمره، وربما يتورط فيما لا طاقة له به.

أحيانا، القرار السيء يظل أفضل!

تجدر الإشارة إلى أن مشروع التملك “المرهق” يصبح أحيانا أفضل من عدم التملك مع أنه بالأرقام أسوأ؛ أي أن حصول الشخص على تمويل مكلف لتملك المنزل أفضل من عدم تملكه بالكامل، وهذا يحصل في حالة عجز الفرد عن إدارة شؤونه المالية باقتدار، إذا كان يعرف نفسه أنه لن يدّخر، ولن ينجح في ضبط مصروفاته، فشراء المنزل ولو بتكلفة تمويلية عالية جدا أجدى من عدم الشراء وعدم الادخار معا، لأن التكلفة هنا تغطي مساوئ سلوكياتنا المالية وتمنحنا خيار التملك والادخار بصفقة واحدة. أما إذا كان الفرد يملك قراره ويسيطر على سلوكه المالي جيدا، فمن الأفضل له أن يتخذ قرار التملك – أو عدم التملك – بناء على التحليل والدراسة وتقييم كل الخيارات الممكنة.

ورأي الخبير..(ماخاب من استشار)

نعم هناك صعوبة شديدة في الحصول على رأي مستقل وموضوعي يسند عملية اتخاذ القرار، ولكن هذا هو الطريق الأفضل، والتحدي ليس في تكلفة رأي الخبير مثلا، ولكن في عدم وجوده من الأساس على الرغم من الحاجة الماسة إليه، وهذا يدخل من ضمن افتقارنا لكل عناصر تعزيز الثقافة المالية في المجتمع، قلة الخبراء والبرامج.

لن تتملك قريبا؟ والحل..

السؤال المهم، ماذا يستطيع أن يفعل الشخص إذا قرر تأجيل تملك المنزل أو عدم التملك بتاتا؟ هناك في الحقيقة عدة أمور تبدأ من التخطيط المالي الجيد والواضح، وبعدها يأتي الحصول على سكن مريح وملائم وبتكلفة إيجارية معقولة. من المهم التركيز على البدائل الادخارية التي تضمن للشخص تحقيق أهدافه المالية لبقية حياته. الادخار متطلب جوهري للإدارة المالية، بتملك المسكن أو بدون تملك. ومما يحسن الخيارات هنا اهتمام الفرد برفع إنتاجيته وتحسين مستوى دخله باستمرار، لأن التحديات تزيد والأسعار ترتفع مما يحول ثبات الدخل إلى عائق كبير.

يقول أحد محللي الأزمة المالية العالمية الأخيرة: “قامت الحكومة الأمريكية الحمقاء بتوريط أناس غير منتجين ليشتروا منازلهم بالديون التي يستفيد منها حفنة من الماليين، من الطبيعي أن تنتهي بخسارة الجميع”. الفكرة أن الجهات المسؤولة تتحمل توفير كل الخيارات المساعدة وحل مشكلات السوق، بينما على المستفيد أن يرفع من إنتاجيته ويحسن من دخله ثم يخطط ويتخذ قرار التملك بطريقة واعية، تنفعه ولا تضره.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 09 مايو 2014

 

Advertisements
Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة

الهدر بين التهديد والخطر

يقولون إن الهدر على المستوى الوطني هو في الأساس ضعف في أسلوب إدارة التنمية الاقتصادية.. أو فساد!

والهدر على المستوى المؤسسي هو فشل إداري صريح..أو عناد!

يدفع ثمن الهدر في المنشأة الخاصة المسؤول ثم المُلاك عاجلا أو آجلا، في حين أن الحالة الأولى يدفع ثمنها المواطن أولا قبل المسؤول. والواقع يعج بالأمثلة.

على الجانب الآخر، يتحول الهدر على المستوى الفردي إلى شتات ومخاطرة تُقصِّر العمر، عاموديا وأفقيا! من لا يموت فعليا بسبب الهدر تضيع موارده المهمة ويموت وهو حي، حينما تصبح حياته أكثر جفافاً وأقل راحة واطمئنانا، تقصر بالمآسي ولو طالت بالأيام.

wasting-money

الثقافية المالية للفرد..ضد الهدر

ولهذه الأسباب مجتمعة، تظهر اليوم العديد من التطبيقات التي تعالج الهدر على أكثر من مستوى. على المستوى الشخصي مثلا ومن ضمن الثقافة المالية للفرد، تظهر أفكار ونصائح إدارة المصاريف التي تنقل التجارب وتبتكر الحلول، وهي ضمن مجموعة المهارات التي ترفع كفاءة الفرد في المجتمع وتؤثر مباشرة في رضاه عن نفسه.

المحاسبة البيئية…ضد الهدر

في عالم الأعمال هناك ما يطلق عليه المحاسبة البيئية التي تنظر إلى احتساب الأثر البيئي ومدى استغلال المنشأة للموارد من حولها، وهي تطبيق فني مهم خصوصا للمشاريع التي تؤثر في رقع جغرافية كبرى؛ تواضع ممارسات المحاسبة البيئية له نتائج وخيمة على المنشأة والمجتمع الذي يحيط بها. تأتي الحوكمة وتطبيقات المحاسبة وقياس ومتابعة الأداء كمظلة لعشرات الأدوات التي تُضبط بها إدارة المهام وتستغل معها الموارد، حيث تظهر مصطلحات مثل الكفاءة التشغيلية ومؤشرات الأداء وهوامش الربح وغيرها.

التقنية..ضد الهدر

تساعد المديرين آلاف الممارسات والحلول التقنية وغير التقنية على إدارة مصاريف منشآتهم تجنبا للهدر. إن في دولة مثل بريطانيا تجد العديد من الشركات المتخصصة في حلول وبرامج إدارة المصاريف التي تقدم خدماتها على مدار العام لضبط هذه الإجراءات وتحسين الأداء.

الحوكمة..ضد الهدر

أما على مستوى الدول والمنظمات الكبرى، تنمو التحديات الكبيرة ولا تُحلّ إلا في بيئة الشفافية الغنية بثقافة المحاسبة والمتابعة، بالطبع على الملأ وأمام الكل. لأن المجتمع وبكل فئاته ــــ في الحالة المثالية ــــ يقوم هنا بعملية محاسبة مكشوفة للذات، حيث تغيب علاقة المالك والمدير الموجودة في القطاع الخاص ويقوم الجميع بدور المالك والمدير في الوقت نفسه، أو كما يقال: الجميع شركاء في التنمية.

محاسبة الذات..ضد الهدر

يتحدث العالم “الأخضر” عن إهدار الموارد التي لا نشعر بها بطرق غير مباشرة، تماما كالهواء العليل الذي تأكله عوادم السيارات ومُخرجات المدن، حيث يخرب الإنسان بيئته دون أن يعلم. ولكن، هناك من يُهدر الموارد المباشرة والثمينة وهي بين يديه، ومع ذلك لا يحاسبه أحد ولا حتى، على الأقل، يحاسب نفسه بنفسه.

يرتبط الهدر بقدرة الإنسان على المحاسبة الذاتية، لأن المحفز الأول لإهداره ما يملك هو سوء فهمه لأهمية هذه الموارد له، ثم سوء قياسه لكمياتها. لاحظ بكل بساطة النقاش الدائر حول مخزون أي ثروة طبيعية وستجد تأثيره المباشر في طريقة التعامل معها؛ فأسلوبا التنقيب والاستهلاك يتفقان تماما مع توقعات صاحب القرار حول الكميات الموجودة. الفهم المهم هنا لا يأتي أساسا إلا من تصور واضح لدورنا في الحياة مع معرفة “علمية” جيدة بوضعنا الحالي. من لا يُراجع ارتباطه بما حوله ولا يحاسب ذاته بصدق وأمانة يعجز عن تفادي الهدر.

التهديد…مدخل للحياة

أعظم الهدر ذلك الذي يكون في أثمن الموارد، سواء الثمينة بنوعها أو بغزارتها، وهذا للأسف يحصل كثيرا. قد يُهدِر الإنسان الموارد الثمينة ثم يبدأ في محاولة الحفاظ عليها بعد أن تقترب من النفاد، لماذا؟ لأنه لا يتحرك إلا حينما يشعر بالتهديد. ومع أنه تحت التهديد على الدوام، غير أن هناك فرقا بين أن يكون مهددا وأن يكون مهددا وهو يشعر جيدا بذلك. هذه حقيقة يعرفها الكثير من الناجحين لذا تجدهم يبتكرون ما يهددون به أنفسهم لإثارة القلق الإيجابي والتنبه المؤثر؛ وهي استراتيجية قابلة للتطبيق على مستوى الفرد والمؤسسة، في قضايا الهدر وفي غيرها كذلك. بالطبع هناك فرق بين استخدام التهديد ــــ وهو من العنف المعنوي ـــــ وبين إثارة مشاعر التهديد والخطر التي تحرك العقول وتحفز الهمم.

مشكلة الهدر عظيمة، لأنها أولا مؤثر أساسي في جودة حياتنا، وثانيا، تجعلنا نجور على من يأتي بعدنا، على الأقل إذا لم نزرع الفسيلة نترك لهم الأرض صالحة للزراعة.

يشكل الاستثمار ــــ سواء كان في العقول أو الأموال ــــ بوابة الحماية الأولى من الهدر، فبه نتفادى ضياع الكثير. ولكن تقوية حساسية الشعور بالخطر مع التعرف المستمر على المخاطر الحقيقية الظاهرة والخفية، هو ما يجنب الفرد والمؤسسة والمجتمع أشكال الهدر ومصائبه كافة.

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات وطن, اقتصاديات الأسرة

كيف تدير أموالك؟

قد ننتقد تبذير أحدهم وهو في الحقيقة يستمتع بأموالٍ جمعها بعرق جبينه. تصل المبالغة في صرف الأموال إلى مرحلة غير مقبولة سواء كانت من الأغنياء أو الفقراء، إلا أن اختلاف المنظور الذي نرى به هذه التصرفات يؤثر على النتيجة التي نصل إليها. هذا ينطبق أيضا على من نراهم بخلاء يجمعون المال ويمسكونه وهم في الحقيقة يديرونه بإتقان، حيث يصرفون منه قدر حاجتهم ويتبرعون منه كذلك، غير أننا لا نقف دائماً في المكان المناسب الذي يؤهلنا للحكم عليهم.

479994b6_money_sack_2011_3

 يصنع المال بغزارة، ويصرفه بحرص (الحالة الأولى)  “مدير”

هناك من يصنع المال بغزارة وينمي هذه الغزارة باستمرار، ولكنه يصرفه بحرص. وهذا النموذج هو الأكثر سيطرة والأفضل تحقيقاً لأهدافه. قد يكون موظفاً ذكياً لديه أكثر من مصدرٍ للدخل، أو تاجراً لامعاً يقف على أعماله بنفسه. الحرص الذي يحصل به مثل هذا على مراده ليس إلا انضباطاً لخريطة الطريق التي يضعها بداية كل موسم، حيث يعتني جيداً بمساره عليها. قد لا يعتمد هذا الشخص إلا على راتبه فقط، غير أنه يرتقي مهنياً ووظيفياً بسرعةٍ عالية لأنه يكسب المزيد من الخبرة والمهارات والتقدير باستمرار.

يصنع المال بغزارة، ولا يحسن صرفه (الحالة الثانية) “مفرط”

النسخة الآخرى من هذا الذي يصنع المال بغزارة تواجه صعوبة في إدارته، فلا تدوم الأرصدة في الحسابات ولا النقود في الجيب. وهنا تبدو الأمور غامضة قليلاً لأن ما يبدو تبذيراً في نظرات الغير قد لا يكون إلا صرفاً مستحقا، وقد يكون العكس تماماَ. ولهذا النوع بضعة محاذير إن تجنبها له أن يصرف كما يريد ويهوى وسيظل ناجحاً في إدارته لأمواله. عليه أولاً تفادي مخاطر المستقبل بصنع شبكة قوية تحميه ومن يعول، وهذا لا يكون إلا بالادخار طويل الأجل. والثاني ألا يقع في التبذير، بتجنب وضع أمواله في الباطل أو الإسراف فيها. والثالث ألا ينسى التصدّق المستمر لأن هذا يطرح البركة في أمواله ويحفزه للتخطيط لما يتبقى منها.

لا يحسن صنع المال ولا يحسن صرفه! (الحالة الثالثة) “متهور”

على الجانب الآخر هناك من لا يحسن صنع المال ويتعجل في صرف ما يملك، وهذا يستمتع باللحظة السريعة على حساب راحته وطمأنينته. وعلى الدوام، يجد نفسه مقيداً بديونٍ صغيرة، يبررها لنفسه لأنها صغيرة! ولكن تكرارها عائقٌ كبير يمنعه من تحقيق قائمة طويلة من الأهداف التي لم يقف عندها جيداَ بعد. هذا النوع من الناس إما منشغل ومتأثر بالمغريات المادية أو يشغل نفسه بها هرباً من لوم نفسه والشعور بالضيق، وهذا على حساب جودة حياته وحياة شركائه. هو يخدع نفسه على الرغم من أن بعض مهارات صنع المال، مع التروي عند اتخاذ القرار، تكفي لتحريك القدرات الكامنة لبوصلته وعزيمته.

لا يحسن صنع المال، ويصرفه بحرص (الحالة الثالثة) “متدهور”

وأما من لا يحسن صنع المال، ولكنه حريص على مقدار وكيفية صرفه، فهذا يقترب كثيراً من النجاح ولا يستمتع به. لأن انضباطه واحترامه لقدراته ينبغي أن يتوج بأكثر مما يملك. يتعلم مثل هذا تحت الضغط، ويملك الكثير من الخبرة التي لا يستفيد منها. قد يعوقه مجتمعه عن رؤية المخرج الأفضل له، واللحظة التي يكتشف ذلك فيها هي حياة جديدة تكتب له. فمجرد تغييرٍ لطيف في مسار إدارته لأمواله وتنميه مداخيله المالية تحديداً، يغير حياته بالكامل وربما حياة غيره كذلك.

يقع حسن الإدارة المالية وسطاً بين البخل والتبذير، ويُفترض أن يكون بأسلوبٍ متغيرٍ حسب ظروف المكان والزمان. يحكم الإدارة المالية الشخصية ما نفهم ونختار من أهداف ورؤى حياتية نملك حق تقريرها والسعي خلفها بكل حرية. وكل ما هو غير ذلك، سواء كان تدخلاً من الآخرين أو تأثراً بمغريات وشواغل، ليس إلا تشويشاً وضبابية لما يجب أن نصل إليه.

وأما تحديات الواقع الكثيرة والصعبة، فهي ليست إلا ظروف راهنة قابلة للإدارة أو التجاوز، من يراها أشبه بالقيود تُقيّده، ومن يعتبرها مجرد تحدياتٍ يتجاوزها. العبرة في قدرة الفرد على تقييم مواقفه وقراراته بناءً على ما يتوافر له من موارد وفرص، مع الحفاظ على مبادئه.

كثيرون ممن نظنهم بخلاء تملكوا العقارات وصرفوا على تعليم أبنائهم وأبناء أبنائهم، وبعض من نراه مُبَذِراً يُحسن استخدام المحفزات المالية أكثر من أي شخص غيره، يعلم نفسه ومن يشاركه فن استخدام المال في الوقت المناسب تماما. لذا من المهم فهم وتقييم الأسلوب الذي نستخدمه في الإدارة المالية قبل الحديث عن سلوكيات الآخرين. وهذا ما يمكّن من التوازن بين البخل والتبذير، في جانبي الإدارة المالية: صنع المال واستخدامه.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 25 أبريل 2014

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة

هيئة التأديب المالي

إذا اقترض أحدهم – سواء كان عميلا شرها مدمنا على الاقتراض أو غلبان تُستغل حاجته من قبل المصارف – وشعر بالظلم، فسيذهب إلى الجهة المسؤولة عن حل النزاعات المالية، حيث تظل فرصة استعادة حقه مرتهنة بجودة أداء هذه الجهة. لكن إذا كان وعي العميل لا يسمح له بمتابعة شكواه كما يجب أو حتى التنبه للظلم الذي حصل له، فكيف تُضمن العدالة هنا؟ نقول إن هناك جهة ما، لها أدوار تنظيمية ورقابية، من صميم مسؤوليتها المحافظة على حقوق كل الأطراف بمن فيهم العملاء، بالتوعية والإجراءات الوقائية وغير ذلك من وسائل. ماذا لو وقعت هذه الجهة في ورطة بين مصالح متعارضة عدة، مثلا: تريد معاقبة طرف ظالم، لكنها في الوقت نفسه تريد استقرار السوق؟ أو تريد أن تضمن حق المظلوم مع الحفاظ على رونق المستبد – أو الجهة المتسببة في المشكلة.

هل هذا منطقي؟ هل نستطيع أن نسمي هذا تعارض مصالح؟ لا أظن ذلك. هي ليست مصالح متعارضة، لكن قد تصبح كذلك من منظور الجهة التنظيمية حين يكون قوامها مختلا وأدوارها متداخلة متعارضة. ولهذا، نجد دائما في الدول المتقدمة فصلا مستمرا للأدوار، وربما فصلا وتقسيما لجهات كاملة لضمان عدم التداخل بين مهامها وأدوارها، وبالتالي ضمان نزاهتها واستقلاليتها الكافية لأداء واجباتها كما يجب. تستمر حركة توزيع أدوار الجهات التنظيمية في الدول المتقدمة كل بضع سنوات، لأنه كلما ارتفع مستوى السيطرة والتحكم أصبح قابلاً للاستغلال ممن يقترب من هرم هذه الجهات، فتكون هناك حاجة إلى إعادة توزيع المهام وفصلها بطريقة تمنع أشكال الاستغلال الجديدة.

الفساد ينتعش في البيئة التي لا تتغيّر

عندما لا يتغير هيكل الجهات الرقابية والتنظيمية، ولا تتم إعادة توزيع أدوارها لفترات مطولة، فهذا دليل على رضا واستغلال بعض المستفيدين لوضعٍ ما، وهؤلاء لا يظهرون في المشهد بطريقة واضحة. الأمثلة على ذلك كثيرة ومتعددة تكاد تكون في كل مجال تنظيمي ورقابي. لكن كمثال، سأتناول هيئة بريطانية جديدة تسمى: هيئة السلوك المالي Financial Conduct Authority، وهي هيئة حازمة مهيبة ومؤثرة في القطاع المالي البريطاني، مع إنها حديثة العهد، بل تكاد تكون في مرحلة الطفولة مقارنة بعمر المؤسسات البريطانية العتيدة.

وعلى الرغم من أن هدف هيئة السلوك المالي يتعلق بسير عمليات الأسواق المالية ونزاهة النظام المالي وحماية المستهلك وتجيير المنافسة لخدمته، إلا أنها ضربت بقوة من البداية بفرض مباشر لغرامات صارمة وشجاعة جدا.

78_1Canary_Wharf__O2_Arena__Tha

غرامات بالملايين = نتائج مباشرة

منذ قدوم الهيئة في نيسان (أبريل) 2013 والأخبار العالمية تتناقل الغرامات الضخمة التي تصيب كبار لاعبي السوق المالية. حيث بلغت هذه الغرامات خلال عام 2013 ما يزيد على 474 مليون جنيه استرليني! كانت فعلا مؤثرة في سلوك المؤسسات المالية رفعت مستوى الحذر من الوقوع في الأخطاء، وأصبحت أشبه بالعملية التربوية التي يتم فيها التأديب العلني المؤثر لجميع من يشارك في السوق.

تتنوع مسببات الغرامات، لكنها تصب جميعاً في بوتقة مخالفة الأنظمة، التي تراعي بدورها أهداف السلوك المالي المتوقع بناءً على أهداف الهيئة. وبكل تأكيد الشفافية ركن أساسي في كل أنشطة الهيئة، فتقارير الغرامات تعلن مباشرة وبتفاصيل كافية تشمل المسببات ومبلغ الغرامة وأي تفاصيل تخص سلوك الجهة المخالفة.

ما يستحق الملاحظة كذلك هو أن البنك المركزي “بنك إنجلترا” بعيد عن هذه الأدوار الرقابية والإشرافية، فهو لا يجمع مهام إدارة السياسة النقدية والمالية في البلاد مع مهام الإشراف والتنظيم والترخيص والعقاب والجزاء. وهكذا تأخذ عدالة السوق مجراها بين المستهلك ومقدمي الخدمات المالية، وذلك لأن التوازن التنظيمي موجود والأدوار محددة بعناية.

الفصل بين المهام

الفصل بين المهام مفهوم مهم وجوهري في إدارة الرقابة، سواء كان ذلك على مستوى منشأة صغيرة أم مؤسسة بحجم الدولة. وهذا ينطبق على كل القطاعات والجهات الإشرافية والتنظيمية بلا استثناء، ويتطلب بالتاكيد مقداراً عالياً من التنسيق، وقواعد واضحة للتواصل بين هذه الجهات يتم احترامها من الجميع. تزيد أهمية الفصل عند الهيئات الإشرافية التي تقع في المنتصف بين المستهلك ومقدمي الخدمات والمنتجات؛ تماماً كالهيئات المسؤولة عن المصارف والاتصالات والنقل والتعليم.

بدون استقلالية، يسيطر الأقوى

عندما تفتقد الهيئات المركزية استقلاليتها تخضع مباشرة لتأثير الطرف الأقوى، وهو في الغالب من يملك المال والسلطة، حيث تصبح مجرد دمية في يده. حينها، يصبح من مصلحة اتحاد المستغلين هذا أن يكون المستهلك أقل وعياً، وإذا لجأ للتظلم فستتم خدمته بشرط ألا يحرج أحدا! تشير إحدى النظريات في عالم الإدارة إلى ما يسمى الأسر التنظيمي Regulatory Capture، حيث تسيطر الشركات الكبرى على الجهة التنظيمية المشرفة عليها؛ تدخل حينها عملية التنظيم والرقابة في نفق عميق من الفساد المستفحل. الشفافية ومراجعة توزيع الأدوار والفصل بين المهام مطالب ضرورية سواء للوقاية أو للعلاج من هذه الآفات، ولو بعد حين.

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات وطن, الفساد

مدرسة المبتعثين المالية

يقارن عروض التأمين والاتصالات، يستقطع الدائنون منه معظم مصاريفه الدورية، يسد حاجياته اليومية بالعملة الصعبة، ويحصل على مكافأة محدودة لها مصارف معينة مسبقاً..هذه لمحات من الحياة المالية للمبتعث. تصنع هذه التجربة الغنية مجموعة من الدروس التي يكتسب بها المبتعث مهارات مهمة تنفعه خلال فترة ابتعاثه وباقي حياته كذلك.

pound-sterling-us-dollar

تتسم بيئة الابتعاث بمحدودية المصادر والإمكانات المادية مع طموح واضح وقوي، وتاريخ متوقع للعودة. معرفة المبتعث بهذه الخصائص تحسن قدرته على الإدارة المالية. حول هذا الأمر نفسه يتمحور المقلب الكبير الذي تتأذى منه اليوم شرائح عديدة في مجتمعنا. تسببت آثار الطفرات النقدية إضافة إلى تدني الوعي المالي في صنع أجيال لم تتعرف جيداً إلى ما يحيط بها، فهي تعيش في رغد من الأحلام وتربطها قيود من العادات التي لا تتواءم جيداً مع الواقع. يبدأ المبتعث وينهي رحلته الدراسية في مكان مختلف بمكافأة دورية محدودة وثابتة. ومثله مثل غيره، لديه قائمة طويلة من المصروفات التي سرعان ما يعرف منها ما هو ضروري وما هو غير ضروري؛ وهنا الدرس الأول. يملك المبتعث حرية قراراته المالية، فهو يستقل فعلياً بكل ما يملك لحظة نزوله من الطائرة، بينما في بلده وبين مجتمعه تؤثر عليه العديد من عوامل التشويش والإحراج التي ربما ترتب له قائمة أولوياته ومصاريفه حسب ما يرى الآخرون، وليس حسب ما يريد هو.

البحث والتقصي يصنع القيمة

عندما يقارن المبتعث باقات الاتصالات أو يفاوض شركات التأمين، فهو يتعلم أن بعض البحث والتقصي يجعله يحصل على قيمة أفضل بتكلفة أقل. المقارنة المدروسة بين عدة خيارات لا تعني المفاوضة على السعر فقط، وإنما التعرف على خصائص المعروض وموطن القيمة ومن ثم الحصول عليها، وهذا مكسب كبير إن تحول إلى عادة.

سر الصبر

يصبر المبتعث وهو يمارس أفضل تجاربه في إدارة الذات. ولكن لماذا يملك القدرة على الصبر مع محدودية الدخل المالي والضغط الأسري وتحديات الغربة؟ لأنه وبكل بساطة يرى وبكل وضوح غاية رحلته وأهدافها. وهذا مُحفز الصبر الأهم: وضوح الغاية.

الأهداف أولاً، واللزوم لزوم

من لا يملك الأهداف ولا يفكر فيها لن يجد ما يدفعه للصبر ولو لحظة، وهذا من فطرة الإنسان الانتهازية، حيث يسعى للراحة ولا يبذل الجهد إلا عند اللزوم. والخدعة التي يقع فيها الكثيرون منا هي سوء تقديرهم لحالة “اللزوم” هذه. فهو يظنها قليلة طارئة أو ربما خاصة تظهر في حياة البعض فقط. التفكير الاستراتيجي لازم، ووضع الأهداف لازم، وبذل الجهد لتحقيقها لازم. سيجد نفسه في موقف أفضل من ينجح في تقسيم حياته إلى مراحل تنتهي كل منها بأهداف محددة وغايات واضحة، وخصوصاً من النواحي المالية.

التحدي المالي الذي يواجهه المبتعث في موطن الابتعاث هو تحدي بقاء واستمرارية. فشله في إدارة شؤونه المالية يعني الوقوع في مضائق قانونية لا ترحم وربما العودة بلا نتائج. ناهيك عن مبتعث ومبتعثة يديران متطلبات المنزل ويسدان أفواه أطفالهما، في خضم تحديات الدراسة والغربة وفوق ذلك الانتقاد والتطفل من قبل الآخرين.

mon

الدخل الإضافي

يحصل بعض المبتعثين على تحويلات إضافية من أهله مساعدةً له وتعاطفاً معه، وبعضهم يسعى بمجهوده الذاتي مستغلاً شغفه في القيام بأعمال جانبية يزينها بالإبداع الشخصي والمسؤولية الفائقة. تحضر المداخيل الإضافية للمبتعث بوجهين: نعمة أو نقمة، وتقسيمها بهذا الشكل في يد المبتعث نفسه وليس في يد من يحضرها له. هناك من يستثمرها للمستقبل ويعد العدة لذلك جيداً، وهنا من يفعل نقيض ذلك تماماً، وربما يصرفها قبل أن تأتي إليه!

المبتعث مستثمر

عادات الاستثمار والادخار محبذة ومطلوبة حتى لو كانت لأغرض ترفيهية. من يدخر لقضاء بضعة أيام في منتجعٍ قريب أفضل ممن لا يدخر ولا يسافر؛ وبالتأكيد أفضل بمراحل ممن يقترض ليسافر. أكثر المبتعثين حصافة من يقدر على تحويل بعض الدولارات أو الجنيهات دورياً لحسابه السعودي ــــ أو ربما في بلد الابتعاث ــــ ويدخرها استثماراً أو توفيراً.

 

تكثر الدروس المالية في مدرسة المبتعث، وأهم ما يميزها الاستقلالية والتخطيط والانضباطية وفهم شروط الرحلة. وهذه الرحلة ليست حصراً على مبتعثي الخارج فقط، وإنما لدارسي الداخل من الشباب الطموح كذلك فرصة ضبط مداخيلهم ومصاريفهم لغرض التعلم والتطوير وكسب المهارات. كل ريال يأتي ويذهب يحمل درسه معه، وأرخص الريالات تلك التي لا نتعلم منها شيئا.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 11 أبريل 2014

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة

المرأة والسلوك المالي

هناك من يعتقد أن عمل المرأة واستقلاليتها المالية، محفز أساسي لجريها خلف “ماركات الموضة”، وهو ما يزيد من شغفها بهذا السلوك الاستهلاكي العبثي. وعلى الجانب الآخر، ربما يتيح هذا الدخل الإضافي حرية أكبر للرجل ويجعله هو الآخر أسوأ منها أحياناً حين يجري كذلك خلف أشياء مكلفة لا قيمة لها. قد ينم هذا النوع من الملاحظات السطحية عن ظواهر مهمة، لكن البت في نقاش مثل هذا يتطلب استقصاءات جدّية وبحوثاً منضبطة حتى لا يُجرّ الحديث خارج دائرة الموضوعية، كما يحدث كثيراً.

shopforyourstyle

 

تحصل فرصة التكامل المالي بين الزوجين وبقية أفراد الأسرة بالتفاهم والتخطيط والمرونة العالية، كما أشرت في المقال السابق. وبدلاً من كيل الاتهامات وتعظيم حالات الخلاف، يُنصح دائماً بالاستثمار في الاختلاف. هذا هو الطريق الأفضل الذي تلتقي فيه الرغبات والقدرات، وبالمعرفة النوعية، تصبح العملية مثل لعبة تركيب قصور المكعبات، لطيفة ومنظمة ومبهجة.

لغياب الدراسات محلياً، سأستعرض بعض المقتطفات من تقرير دوري موسع تجريه المؤسسة المالية البريطانية “هاليفاكس” عن الفروقات بين الرجل والمرأة في السلوك المالي. وبالتأكيد، من الوارد جداً أن تختلف – بالزيادة أو النقصان – ملامح الحالة المحلية عن نتائج هذه الدراسة.

المرأة – في الادخار – أفضل من الرجل

تجد الدراسة أن المرأة تتسم بسلوكيات ادخارية أفضل من الرجل، وهذا أمر يتفق عموماً مع حسن تدبيرها وربما خوفها من المستقبل. والادخار، وهو سلوك طبيعي حكيم تدار به الموارد، يتواءم كذلك مع بعض خصائص الأمومة عند المرأة مثل الصبر والحماية وأخذ الحيطة والحذر. لهذا، يتحسن أداء البرنامج الادخاري للأسرة عندما تتولى المرأة مسؤولية إدارته ومتابعته وترتفع فرص نجاحه، مشاركتها في تخطيط وإدارة مشاريع الأسرة المالية مهمة في كل الأحوال.

المرأة تبحث عن الاستقرار، أكثر

من المثير ضمن نتائج هذه الدراسة أن نسبة تملك المساكن عند العازبات تصل إلى 65 في المائة، وهي أكثر من نسبة تملكها عند الرجال الأفراد التي تصل إلى 53 في المائة. وهذا قد يعود لرغبة المرأة في الاستقرار مقابل استعداد الرجل للتنقل والتطور الوظيفي. وتشير الأرقام أيضاً إلى أن المرأة على استعداد أكبر من الرجل للارتباط بقرض عقاري طويل الأجل.

الرجل واثق والمرأة “قلق”

عند الرجل، نجد حالة التفاؤل حول مستقبل الأسواق الاقتصادية أكبر منها عند المرأة، لكن المرأة تعبر عن قلقها من زيادة المصروفات أكثر من الرجل. قد يحدث هذا لأنها فعلاً تتسبب في زيادة المصروفات – المتعلقة بالتسوق – أو لأنها ببساطة تقلق أكثر. تشير دراسة أمريكية أخرى إلى أن المرأة لديها تملك بطاقات ائتمانية أكثر من الرجل، وذلك لتأثرها بالعروض الائتمانية التي تقدمها المتاجر.

تدعو الإيجابية إلى التركيز على مواطن القوة، وهذا يعني ضرورة توزيع المهام بين الرجل والمرأة بناء على القدرات الحقيقية لكل طرف، وبتشجيع وثناء ومتابعة الطرف الآخر يكتسب البناء قوته.

تقود حالات الجهل والعناد وما ينتج عنها من سوء توزيع للمهام إلى تأخير وتشوهات في البناء الأسري، وهذا ما يجعلنا نشعر بالضيق وقلة الحيلة تجاه المستقبل المالي للأسرة، وقد نلوم غيرنا أحياناً. قد لا نجد دليلاً رسمياً بالفروقات بين المرأة والرجل وكيفية استثمارها، لكن الحوار الراقي داخل المؤسسة الأسرية يصنع تعلماً مباشراً لا مثيل له. احترام رغبات الطرف الآخر والتعبير المباشر والصادق يمهدان الطريق لتجاوز الكثير من التحديات بما فيها التحديات المالية.

المرأة تتفادى المخاطر

تُعرف المرأة بتفاديها للمخاطر – وتثبت الدراسات ذلك – بخلاف سعي الرجل واستعداده الدائم لخوض المزيد من المغامرات، وهذا ما يجعل حالة التوازن هنا ذات أهمية كبرى. فالحالة الزوجية المثالية تقتضي أن يغامر فيها الزوج ويقترب من الخطر، لكن رعاية المرأة ومتابعتها له تضمن سلامته وتساعد على تحقيق الأهداف المشتركة. حين يخشى الرجل خوض المخاطر يصبح كالمرأة، وحينها تقبع كامل الأسرة في هوان بلا تحرك، بينما تتعرض الأسرة التي يبالغ فيها الطرفان في المغامرة لعواقب غير محسوبة.

نظرة أفضل، حياة أفضل

محلياً، قد تعوق نظرة الرجل للمرأة – باعتبارها مرتكز الإسراف داخل الأسرة – فرصة تحقيق أهدافهم المالية. وكذلك نظرتها للرجل بأنه المسؤول عن صنع المال وإدارته من دون أدنى مسؤولية منها، حتى لو تأثر أسلوب حياتهم بسبب عملها ودخلها الإضافي. يؤثر أسلوب إدارة هذه الفروقات في آلية مواجهة المخاطر واتخاذ القرارات المالية ويصل تأثير نتائجه لمرحلة التقاعد. لذا، يمثل التفاهم والتكامل بين الرجل والمرأة المخرج الأفضل، وربما الوحيد، للنهايات الإيجابية المريحة.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 4 أبريل 2014

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة

عمل المرأة والثقافة المالية للأسرة

تشير دراسة حديثة إلى أن تقبل الرجل السعودي للمرأة العاملة لا يزال تقليدياً ومتحفظاً، ولكن الدراسة نفسها تشير أيضاً إلى أن هذه النظرة تقل كثيراً لدى الرجال الأصغر عمرا. وكما هو معروف، تضاعفت خلال السنوات القليلة الماضية أعداد المرأة العاملة في القطاع الخاص بنسبة تتجاوز الـ 400 في المائة، ولكن لا تزال المرأة تمثل نسبة 60 في المائة من إجمالي العاطلين عن العمل. وكل هذا يؤكد قوة التغيير الذي يحصل اليوم إضافةً إلى استمراريته. تثير هذه التغييرات العديد من الأسئلة التي تخص الإدارة المالية داخل الأسرة: كيف ستتطور الأمور، وما آثارها؟ وكيف يجب الاستعداد لها؟.

family

الصورة النمطية لعلاقة الزوجين في مجتمعنا لها ملامح واضحة يسيطر فيها الرجل أكثر، وهذا يشمل العديد من الجوانب بما فيها الجوانب المالية. والجديد في الأمر أن هذه الصورة النمطية تمر بضغوط متعددة تجعلنا جزءا من عملية تغيير ضخمة متعددة الملامح. تركيبة العلاقة المالية بين الرجل والمرأة التي تختص بمسؤوليات العمل والرعاية وجني المال والصرف والادخار لا تتغير محلياً فقط، فهي تتغير على مستوى جميع دول العالم، أكثرهم يسبقنا في هذا التغيير ببضعة عقود.

إدارة التغيير..للمصلحة

يخسر من يتجاهل التغيير عمداً ويخسر من يجهله بحسن نية. إذا تجاوزنا كل التغييرات المصاحبة لعملية المخاض التي تعيشها ترتيبات العلاقة الزوجية والأدوار التي يتبناها كل طرف، سنجد أن الجوانب المالية داخل الأسرة تتعلق بالعديد من الجوانب المهمة مثل توزيع المداخيل والمصاريف، وترتيب الأولويات، واتخاذ القرارات الكبرى، وتأثير كل ذلك في استقرار العلاقة ونتائجها الإيجابية.

يساعد حسن إدارة أموال الأسرة على تفادي الكثير من المشكلات، وهو كذلك مؤثر أكيد في جودة الحياة التقاعدية، وفي فرص نجاحات الأبناء في المستقبل، حتى خارج إطار الأسرة نفسها. تجاهل أهمية التغييرات التي تحصل في الجوانب المالية، بغض النظر عن موافقتنا لها أم لا، يؤدي إلى نتائج وخيمة لا يتمناها أحد. لذا يجب على كل طرف أن يتعرف على طبيعة هذه التغييرات ويحاول تفادي عواقبها وتجييرها لصالح علاقته مع شريكه.

قنوات وقرارات

يمكننا النظر إلى الجوانب المالية في العلاقة الزوجية من ناحيتين: القنوات والقرارات. يختص جانب القنوات بمصادر الدخل لدى الأسرة وكيفية صرفها وتوزيعها، ومن ذلك اعتبار الجهد وأحقية المشاركة في الدخل الذي يضمنه كل فرد لبقية أسرته. ويأتي على قمة هذه الاعتبارات الاعتراف بجهد من يصنع المال للبقية. كان الرجل هو من يعمل في السابق، والتغيير اليوم يضع المرأة كرافد مالي رئيس للأسرة. تقدير الرجل المعنوي لهذا التغيير واجب ومهم إذ يصنع حِرزاً من الظنون ويمنع نمو بذرة الشر.

تشمل القنوات كذلك مصاريف الأسرة، وكيفية توزيع الدخل على الأفراد وعلى احتياجاتهم المستقلة والمشتركة. وفي عالم يستقل فيه المراهق والطفل، يقتضي الذكاء الأسري مراعاة ذلك بالاتفاق المعلن بين جميع أفراد الأسرة على توضيح وتوزيع القنوات التي تخرج منها الأموال. هناك ما يذهب للادخار أو للسكن مثلاً، وهناك ما يذهب لمصاريف المنزل المشتركة والأبناء، بينما تُخصص بعض القنوات لمصروفات الفرد الشخصية، أو تصنع حيزاً لبعض الحرية والاستقلالية والترفيه.

من الصعب أن يلزم أحدهم أفراد أسرته أو حتى نفسه بالانضباط التام والدائم في الإدارة المالية، ولكن وضع الأمور في نصابها والاتفاق المشترك والمعلن الذي يتجدد باستمرار يصنع شبكة تحميه من نزاعات المستقبل وتوفر له نقطة مهمة للتفاهم المشترك. هذا النوع من الاتفاقيات الصريحة والشفافة يعد أحد أهم متطلبات التغيير الذي تتطلبه العلاقة الزوجية الحديثة، فالغموض والكتمان داخل مؤسسة الأسرة هادم رئيس للثقة، ومن دون الثقة يصبح البناء مهترئا وخطيرا.

المشاركة ليست مناصفة

حتى لو تشارك الزوجان في صنع مداخيل أسرتهما مناصفة، هذا لا يعني أن يتشاركا القرارات مناصفة. بعض القرارات تتطلب الاشتراك في اتخاذها “القرارات الكبرى كالسكن والتنقل”، بينما يتطلب البعض الآخر المشاركة على مستوى الرأي وانفراد أحد الأطراف بالقرار “كالتسوق والأنشطة الترفيهية”. المهم أن يُترك القرار لأحد الزوجين بتسليم الآخر، كما جرت العادة أو تم الاتفاق عليه، في توازن مرض للطرفين.

ثقافة أسرية “خاصة”

تصنع الأسرة المرنة التي تجيد التعايش في عالمنا المعقد ثقافتها الداخلية الخاصة بها. لدى الزوجين في هذا النوع من الأسر محفزاتهم وأساليبهم الخاصة التي يحددون بها الأولويات والأدوار وكيفية إدارتها، لديهم ما يمكنهم من تفادي المشاكل أو التقليل منها، ويعتادون على التراضي بطرقهم المبتكرة التي تبدو غريبة أحيانا، دون مبالغة في المعاوضة أو حتى ظلم في التضحيات.

لن نجد حل هذه القضايا في اتباع النصائح الغربية أو الثبات على العادات البالية، بل هو في صنع ثقافة مالية خاصة يتفق عليها الزوجان وينميانها باستمرار، بالتعلم والشفافية. وهكذا تصبح هذه العلاقة جزءا من ثقافة أسرية خاصة بهما تساعدهما على تجاوز القادم من التحديات.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 28 مارس 2014

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬817 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: