ثورة التنقل الوظيفي


شئنا أم أبينا، لن تتمكن الشركات من المحافظة على الموظفين بالطريقة نفسها التي كانت تمارسها في التسعينيات الميلادية ولا حتى قبل بضعة أعوام، فمستوى الضغط الذي يمارس عليها في إدارة المواهب والإمكانات البشرية يهدد أعمالها بشكل لا مثيل له.

حتى إننا لم نعد نستغرب استقالة الموظف من أكبر وأقوى الشركات استقطابا للموظفين حيث يفنون عادة أعمارهم فيها. خذ شركات النفط الكبرى والشركات الحكومية مثالا. بل إن الوظائف الحكومية التي كانت نموذجا للاستقرار الوظيفي وتطلب للميزة ذاتها أصبحت في كثير من الحالات محطة عبور للمهارات، بفائدة أو دون فائدة، فالتغيير أصبح سريعا يصعب معه القياس ولا يمكن تقييم التجارب بشكل واضح.

يقول أحد الأصدقاء: “سابقا كانت العادة لوم الإدارة السابقة على أي مشكلة تحدث، اليوم تستطيع أن تلوم السابقة والتي سبقتها وكثيرا من الموظفين الذين عملوا أخيرا في المكان نفسه ولا يعرفهم أحد من الموجودين اليوم”.

الحديث عن هذا الموضوع له جانبان، الأول الإدارة المهنية للفرد، والثاني إدارة المورد البشري الثمين للمنشأة، وكل جانب له شجونه وتحدياته ومتغيراته؛ سأركز الحديث في هذا المقال عن الجانب الأول فقط.

الإدارة المهنية للفرد

هناك موجتان تؤثران في معدل التنقل الوظيفي في الفترة الماضية، إحداهما عالمية والأخرى محلية.

الموجة العالمية

تغير فيها الوضع من وظيفة أو وظيفتين في بدايات الثورة الصناعية إلى نصيحة “الـ5 – 7” وظائف في حياة الشخص، وربما واقعيا يحصل ما يزيد على ذلك لكنها ليست زيادة محمودة. أعتقد أن الموجة العالمية لا تؤثر فينا بشكل كبير، لأن تأثرنا بها قائم على تأثرنا أولا بنماذج العمل الحديثة وممارسات الأعمال داخل المنشآت، وفي غياب تطوير تحسينات الأتمتة والتغيير الثقافي، فالأرجح أننا لن نتأثر بهذه الموجة في الوقت الحالي.

الموجة المحلية

في الجانب الآخر، هناك موجة محلية واضحة ينتقل فيها مفهوم التنقل الوظيفي من حالة الذم الكامل (مقابل الاستقرار) إلى التعامل معه بوصفه أمرا مقبولا ومعتادا. المقبول هنا ليس في إطار بضع وظائف في حياة الموظف، وليس خمسة أعوام بحد أدنى، بل يصل إلى ثلاثة أعوام وفي كثير من الحالات إلى عامين وعام! وهذا أمر مستغرب، أراه مدمرا لمسار تراكم الخبرات وتحقيق التعلم النوعي الملائم ورفع جودة المهارات الإنتاجية والقيادية، ما يعني في نهاية الأمر توريط ومقالب على مستوى الفرد مع نفسه، والفرد مع مكان عمله، والمجتمع والإنتاجية إجمالا.

ولا أعمم هذا الاستنكار، فوجود فئة قليلة جدا تعمل في وظائف بأسلوب مقدمي الخدمات المستقلين أمر راجع إليهم، وقد نجد من يعمل ستة أشهر أو عاما ويترك عمله إذ يكون متنقلا بطبعه ولديه من المهارات ما هو قابل للتمرير بشكل سريع وعملي. لكن من غير المقبول أن يكون مثل هؤلاء نموذجا يعتد به لمسألة التنقل الوظيفي، أو يصبح ترك الوظيفة قبل اكتمال دورة التعلم والعطاء أمرا عاديا ومتكررا.

لماذا التنقل الوضيفي؟

هناك مبررات اقتصادية ومهنية تدفع نحو نمو التنقل الوظيفي بهذا الشكل، منها التنافس ونقص الكفاءات والبحث عن قيادات محلية واعدة ودعم توظيف المرأة إضافة إلى نمو قوي جدا في مشاريع التغيير الحكومية والخاصة.

لكن في نظري وجود هذه الضغوط يجب ألا يبرر تدمير تجربة التعلم الشخصي التي تبني الخبرة النوعية القابلة للتراكم وتقوم عليها الأعمال بشكل كبير. ما نجده في نهاية الأمر عبارة عن رؤساء تنفيذيين لا يجيدون التعامل مع أبسط المعوقات، ومديرين ماليين لا يسيطرون على أبجديات مهامهم، ومديري مشاريع يقعون في أسر أول التحديات المرتبطة بإدارة أعضاء الفريق، أو التعامل مع ظروف خارجية غير مسيطر عليها. ما النتيجة النهائية؟ سير ذاتية مفخخة، ونتائج شكلية، وسلسلة من مطبات الإنتاجية التي لا تنتهي.

التعامل مع التنقل الوظيفي المتكرر

لو افترضنا أن ثورة التنقل الوظيفي المتكرر مسألة حتمية ينبغي التعامل معها، كيف نخفف من آثارها السلبية ونتحكم بشكل أفضل في مخاطرها؟ يتطلب التعامل مع هذا التحدي خطوتين مهمتين،

تفادي الوقوع في التنقل

الأولى احترازية تتطلب تفادي الوقوع في التنقل وأن نتركه للغير من القلة الذين يقبلون بذلك؛ وأن نحافظ على درجة من الاستقرار الوظيفي المرتبط بدورة التعلم والعطاء.

هذا لا يعني بالضرورة أن يبحث الشخص عن الاستقرار الوظيفي الدائم، لكن عليه تعريف تجاربه حسب دورة التعلم والعطاء، أي ما يمثل الحد الأدنى المعقول والمقبول من الاستقرار. يشمل “التعلم” التعرف على المنشأة وثقافتها وأسرار النجاح بها تعاملا مع الأفراد والإجراءات وتعلم المهارات والفنيات المصاحبة للدور المطلوب، ويشمل “العطاء” مقابلة التوقعات المتفق عليها في الوظيفة، وهذا يعني أداء الدور المطلوب وتحقيق نتائجه مع باقة التحسينات الإجرائية والتعليمية المتوقعة.

إجراءات الإضافية

الثانية تشمل مجموعة من الإجراءات الإضافية التي ينبغي القيام بها إذا كان أمر الخروج السريع وارد الحدوث.

التعلم الذاتي المكثف

ليس من العدل أن تترك الوظيفة في عامين وتكتفي بما تتعلمه مثل أي موظف آخر سيمضي عشرة أعوام في أروقة المكان.

من يجد نفسه ضمن المتنقلين عليه أن يتعلم في ثلاثة أشهر ما يمكن تعلمه في عامين. وهذا يعني التعلم المتعمد deliberate learning وبذل جهد مضاعف في القراءة، والدورات الذاتية، والاحتكاكات المكثفة مع فرق العمل، ومراجعة المستندات السابقة وما إلى ذلك.

الشفافية

الأمر الثاني، الشفافية، لا بد أن تكون هناك درجة من الاعتراف والإقرار بطبيعة العلاقة الوظيفية هنا، أعرف أنه صعب جدا لكن القيادي الجيد سيتقبل التعامل مع الأمر على حقيقته والموظف كذلك.

تظل الصراحة مدخلا جيدا لإعادة تصميم الرحلة بما تستحق من توقعات وواجبات، وإن لم تكن كذلك فهي أقرب للخيانة وتنطوي على خلل أخلاقي ولا يمكن اعتبارها مجرد خطة مهنية شخصية سائدة.

الاجتهاد

ومما يندرج تحت الخطوة الثالثة الاجتهاد في تقديم نتائج دائمة في وقت قصير، وهذا يعني المراجعة المستمرة للأهداف والأولويات بطريقة تمكن الشخص من تحقيق المنفعة المستدامة بأسرع وقت ممكن.

شاهد ايضاً: التقنية المالية والسلوكيات الجديدة .. مكاسب أم خسائر؟

تم نشرها يوم الجمعة 18 أكتوبر 2019 في صحيفة الاقتصادية

رأي واحد حول “ثورة التنقل الوظيفي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: