القيمة السوقية وأحاديث السوق

تتجاوز “القيمة السوقية” لسوق الأسهم 1.4 تريليون ريال، بينما تبلغ “القيمة العادلة” لسهم شركة ما 76 ريالا، غير أن “قيمة” تلك الصفقة الأخيرة بلغت بضعة ملايين فقط!

يفتقد الحديث عن تقدير قيمة الأصول والصفقات كثيرا من الدقة، ويبدأ سوء الفهم مع استخدام المصطلح الخاطئ وربما محاولة تداوله في السياق الخاطئ كذلك.

وما يفاقم سوء الفهم أن التقييم مسألة جوهرية مؤثرة في استقرار السوق وجودة التفاعل بين مشاركيه، وأقصد بالسوق هنا المفهوم الأوسع الذي يشمل كل المشاركين والمهتمين به بمن فيهم الإعلاميون والمراقبون والأكاديميون كذلك.

حدد السياق أولا..

لا بد أن نفرق بين سياقين مختلفين، الأول حين نشير إلى التقييم لأغراض صنع القرار الاستثماري أو متابعة حدث في السوق يتعلق بهذا القرار، مثل الحديث عن سعر تداول السهم أو قيمة صفقة عقارية ضخمة يتوقعها المحللون أو قيمة منشأة توشك أن تسيطر عليها أخرى. وفي هذا السياق يُستخدم مفهوم القيمة الحالية الشاملة سواء تم تقديرها في سوق مفتوحة يُعلن فيها العرض والطلب أو سوق خاصة منفردة الخصائص؛ تُقدر القيمة بناء على توقعات مدروسة من خبير معتبر، وتخرج هذه التوقعات إلى العلن بطرق رسمية أو مسربة.

يتم تداول هذا التقدير للقيمة بطريقة غير منضبطة ولا يحكمها إلا ما يقال عنها، ليس لها تعريف محدد ولا مرجعية قياسية وجودتها مرتبطة بجودة مصدرها، تماما مثل تكهنات صفقات الاستحواذ والدمج. يُطلق على هذه القيمة مصطلحات مثل: قيمة الصفقة، القيمة السوقية، تقديرات القيمة العادلة، سعر السوق أو البيع وغيرها.

مهنة التقييم

حصر وتأهيل المقيمين وضبط إجراءات التقييم نفسه وأسلوب الإفصاح عنه – مع تفعيل ميثاق مهنة التقييم – يقلل كثيرا من سوء الفهم والتداول لهذه المفاهيم المهمة، ولهذا بلا شك دور مهم ومؤثر في المصداقية والثقة التي تبحث عنها رؤوس الأموال.

تُعرّف هيئة المقيّمين المعتمدين التقييم حسب نظامها الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/43 وتاريخ 1433/7/9هـ بعملية تحديد القيمة العادلة للعقارات أو المنشات الاقتصادية أو المعدات والممتلكات على اختلاف أنواعها لغرض محدد، ولا أعتقد أن القيمة العادلة هنا تطابق رؤية معايير المحاسبة، بينما يُعرّف مجلس معايير التقييم الدولية التقييم أنه الإجراء المستخدم للوصول إلى قيمة الأصل – أو الالتزام – أو تقدير هذه القيمة. إذا تعريف التقييم هنا شامل يدخل تحت سياقه كل إجراءات وأساليب التقييم، سواء كانت محاسبية أو غير محاسبية.

المحاسبة والتقييم

السياق الآخر الذي يحصل به الحديث عن القيمة سياق المحاسبة المالية، حيث يطلق على عملية إجراء التقدير هنا: القياس المحاسبي. يُعرّف القياس بأنه إجراء لتحديد المبالغ النقدية التي تثبت وتسجل عناصر القوائم المالية في الميزانية العمومية وقائمة الدخل، وهذا هو جوهر المحاسبة، تضعه المعايير الدولية كأحد متطلباتها الرئيسة: الإثبات والقياس والعرض والإفصاح. محسابيا، تتم عملية القياس في سياق منضبط له مرجعية محددة ولا يخرج للعلن عادة إلا عن طريق القوائم المالية المدققة، التي تراعي استخدام المصطلحات الملائمة جيدا. يختلف تطبيق أسلوب القياس الأمثل من حساب إلى آخر؛ تقاس مثلا بعض الاستثمارات بالقيمة العادلة بينما يُسمح بقياس الأصول الثابتة بالتكلفة التاريخية. وبالطبع، تواجه المعايير المحاسبية العديد من الانتقادات على هذا الصعيد، سواء تلك التي تسعى للمزيد من الضبط والتحكم في تصرفات الإدارة أو المزيد من التحرر من القيود والقوانين.

جميع الاستخدامات التي يشملها التقييم في حديثنا أعلاه ترجع إلى عملية تقدير القيمة وفق افتراضات معلومة ومفاهيم محددة. يشار في فقه المعاملات إلى عمليه التقدير هذه بالتقويم، ويشار إليها في أخبار السوق وصفقاته بالتقييم، بينما يُطلق عليها محاسبيا القياس. ولكن إذا تحدثنا عن القياس المحاسبي نجد مثلا أن معيار رقم 13 يوجه بعض حالات قياس القيمة العادلة إلى استخدام أساليب التقييم المعروفة كبدائل للقياس المباشر؛ بدائل سوقية تستخدم المقارنات والإحلال أو ربحية تستخدم خصم التدفقات النقدية. إذا المعايير المحاسبية تضع فارقا بين القياس والتقييم؛ يتضح هذا الفارق لبعض المحاسبين بينما لا يكون كذلك عند البعض الآخر، وحتما هو أشد ضبابية عند غير المحاسبين.

التقييم…تقدير ليس إلا!

من المهم أن يعرف مستخدم المعلومة المالية أن عملية تقدير القيمة تحاول ترجمة الواقع الاقتصادي من زاوية محددة لا يبينها الإفصاح بطريقة محايدة دائما، وهي مجرد محاولة ضمن عدة محاولات ممكنة لفهم قيمة هذا الواقع وأثره.

 

*نشر بتاريخ 16 مايو 2014

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة للمحاسبين, محاسبة ومالية, اقتصاديات وطن, تطوير مهني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: