هامش الربح

يعكس هامش الربح، الذي يعد مجرد رقم، معاني عديدة ومختلفة. فهو يمثل القيمة للمستهلك، والعلاقة الأهم التي يحقق بها التاجر أرباحه. يستخدمه المديرون للتعرف على الأداء، كما يسترشد به المسؤول للتعرف على عدالة السوق. هو أداة لمعرفة القيمة وكشف الفساد واختيار الاستثمار الأفضل!

Gross-Margin-image-e1370020329647

يُعرَّف هامش الربح “أو هامش مجمل الربح” بأنه الفرق بين إجمالي إيرادات المبيعات وبين تكلفة الإنتاج، وتشمل تكلفة الإنتاج التكاليف المباشرة المتعلقة بمصدر المبيعات نفسه، أي لا تدخل من ضمنها التكاليف غير المباشرة كالمصاريف الإدارية وغيرها. ويُعبِّر من يحلل الأرقام المالية عن هامش الربح بالنسبة المئوية، حيث تشير إلى درجة فاعلية المنشأة في صنع الدخل. على سبيل المثال، قد نقول بأن هامش الربح في الشركة بلغ 18 في المائة. أحيانا، يرتفع الفرق بين إجمالي الإيرادات وتكلفة الإنتاج “أي الزيادة في مجمل الربح”، ولكن تتناقص نسبة هامش الربح في الفترة نفسها. هذا لا يعد تأثيراً إيجابياً وإنما هو دليل على تدنى كفاءة الشركة في تحقيق الأرباح على الرغم من زيادتها الكمية. كم شركة محلية مرشحة لهذه الحالة يا ترى؟.

مع الأسف، يقل تداول علاقة هامش الربح من متابعي السوق مع أنها أكثر أهمية من غيرها. تتناول الأخبار المالية في بريطانيا مثلا “هامش الربح” بنسبة 20 في المائة، بينما يسيطر “صافي الأرباح” على نسبة 80 في المائة من نتائج الشركات، وهذا يعكس الاهتمام القصير الأجل من المتابعين. تأثير هامش الربح موجود في معظم التحليلات والعلاقات التي يُنظر لها، إلا أن النظر بطريقة مستقلة لهامش الربح يوضح العديد من الرؤى بخصوص كفاءة العمل في المنشأة، وتركز على قدرتها على الاستمرارية في قيامها بالعمل الذي تختص به، أي نشاطها الأساسي.

أكثر من يُفصّل ويُحلّل في مكونات هذا الرقم هو محاسب التكاليف الذي يغوص في تقارير الإنتاج ولا يحبسه عنها أحد. لأنه اليد الذكية التي تقرب الصورة لصناع القرار بأدق التفاصيل، فلا تُحجب عنه المعلومات بعذر السرية. يشرح ويصنف التكاليف إلى متغير وثابت وتكلفة إجمالية وتكلفة بالوحدة، يوزع الإيرادات حسب مصدرها وطبيعتها، ويدرس كل السيناريوهات التي لم تحصل بعد. يقدم تقريره للإدارة مرفقاً بالخلاصات التحسينية: تخلصوا من هذه التكلفة وحولوا هذه من هنا إلى هنا، ليتحقق هامش أعلى للربح. ولكن، هل تولي إدارات الشركات هذه الأهمية لمحاسبي التكاليف؟!

لهامش الربح استخدامات عديدة يفترض أن تطبقها حتى الجهات غير الربحية، سواء كانت حكومية أو اجتماعية. فهي تؤسس لاحتسابات المنفعة والتكلفة وتوضح العلاقة التشغيلية الأساسية التي تبنى عليها استدامة المؤسسة. حتى لو غاب مفهوم الربح عن المؤسسة بسبب طبيعتها تظل علاقة هامش الربح ممكنة الاحتساب. تتمكن الإدارة الفاعلة بالربط بين مواردها ومصارفها، بين التبرعات والصدقات، بين الأهداف وما يتحقق منها، وتصنع علاقة دورية واضحة يمكن قياسها، تبين قدرة المؤسسة على الصمود في الحاضر والمستقبل.

أما المسؤول الذي ينظم ويراقب السوق، فهولا يغيب بنظره عن تقارير هامش الربح، سواء داخل سوق المُسَاهمة أم خارجها. يقرأ هذا المسؤول بصفة دورية معدلات هذه الهوامش حسب القطاع، حسب الحجم، وحسب التوزيع الجغرافي كذلك. قد يدل التباين في هوامش الربح أحيانا على قضايا في الاحتكار والمنافسة غير العادلة، أو استئثار أحدهم بالدعم الحكومي. عدم تمكن المسؤول من الحصول على هذا النوع من التقارير، يعني وجود غشاوة سميكة بين عينيه وبين الظلم الذي يحدث في السوق.

التعرف على مكونات هامش الربح يُمكّن من تقييم المنتج ــــ أو الخدمة ــــ وإعادة تسعيرهما بذكاء. وعلى الرغم من أن التسعير يسبق احتساب هامش الربح “تشبه مسألة: أيهما أولا؟ البيضة أم الدجاجة”، غير أن فهم المسألة وتوقعاتنا حولها مهم بغض النظر عن الأولويات. يصعب أحياناً على مؤسسي المشاريع الشباب ــــ خصوصا المشاريع المبتكرة ــــ تحديد أسعار خدماتهم ومنتجاتهم. ولكن الفهم الجيد لعلاقات هامش الربح مع وجود تصور واقعي لمستوى المخاطرة في المشروع والعائد الملائم له سيجعل حل المشكلة أسهل بكل تأكيد.

وللعميل، يشكل هامش الربح أوضح التفاسير الكمية التي تتناول القيمة، أو مقدار الفارق الذي تصنعه المنشأة في حياة المستفيد بالريالات. قد يتمكن العميل من جمع المواد التي تستخدمها الشركة لتصنيع منتجه المفضل. ولكنه لن يستطيع جمع الخبرات والمعرفة والأداء ليتمكن من صنع المنتج نفسه. وهنا بالتحديد تُصنع القيمة، وتكافأ الشركة نفسها بهامش الربح الذي تنجح في صنعه.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 14 مارس 2014

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات وطن, الفساد, حسابات الريادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: