الريادة الرشيقة

ثلاثة تغييرات إدارية مهمة أحدثتها موجة الاهتمام بريادة الأعمال. تشمل هذه التغييرات مفاهيم جديدة لا غني عنها لكل من يمارس الإدارة (وهل هناك من لا يمارسها؟!). يُنصح باستيعاب هذه التغييرات حتى خارج إطار ريادة الأعمال، كإدارة المنظمات الضخمة والأعمال الاجتماعية وإدارة الأسرة وتطوير الذات.

يخص التغيير الأول أسلوب فهم وتقييم الأفكار، بينما يدور التغيير الثاني حول تنفيذ هذه الأفكار “كالمشاريع الناشئة” ويتسع التغيير الأخير شاملا العديد من المهارات والخصائص والنقاشات “الريادية” الثرية التي تتناول مستوى الإنتاجية وتحفز على الإنجاز. أكثر ما يميز هذه الأفكار المختلفة بساطتها وتركيزها على القيمة وتلافي التعقيدات، فهي دائما ما تطرح مفاهيما محددة بشروحات تطبيقية وأدوات واضحة وعملية. تماما كما ابتكر مدونون سعوديون مصطلحا يدعونه “السَّمبلة” أو فن تبسيط الأشياء، اشتقاقا من الكلمة الإنجليزية simplicity. فالبساطة تعد اليوم من القيم المهمة التي تسمح بتركيز الجهود وتحسين الرؤية وتقليل التكلفة، خصوصا في عالم يزداد تعقيداً كل يوم.

fishing

من بدهيات دراسة جدوى المشاريع القيام بتحليلات السوق التي تبرر فكرة المشروع المقترحة. ولكن في الواقع تتحول دراسات الجدوى إلى تنظير ونسخ ولصق لعبارات مكررة أو إحصائيات لا ترتبط جيدا بالواقع، وهذا يكلف الجهد والمال وقد يصنع توقعات خاطئة تتسبب في خسارة المشروع. ولهذا خرج ما يسمى بـ “مخطط نموذج الأعمال” الذي اقترحه أساساً أليكساندر أوسترفالدر، وهذا التغيير الأول. طور أليكساندر هذا التطبيق مع فريقه في كتاب “ابتكار نموذج العمل التجاري” الذي تُرجم إلى العربية أخيرا. يقوم هذا المخطط البصري على جمع عدة معايير للفكرة الجديدة في ورقة واحدة فقط بطريقة توضح العلاقات بين هذه المعايير، ثم تقيم وتعدل حسب تطور تصورات الفكرة. وهكذا، تُطرح الفكرة بطريقة مبسطة ويتم تقييمها بأسلوب ذكي يمكّن من صنع القيمة للعميل وللقائم على المشروع، قبل بذل الجهد والمال في المخططات والدراسات العميقة والمكلفة.

أما التغيير الثاني المهم الذي أحدثته ريادة الأعمال فهو مجموعة المفاهيم والممارسات الذي يطرحها إيريك ريس في كتابه The LeanStartUp. وقد استوحاها هو ومعلمه الريادي المؤثر ستيف بلانك من أسلوب التصنيع الياباني المسمى Lean Manufacturing الذي يعرفه جيدا ممارسو الإدارة التشغيلية وعمليات الجودة. تتحدث مفاهيم الـ “لين ستارت أب” أو الريادة الرشيقة ــــ كما أرى أن يطلق عليها ــــ عن أسلوب عملي يقوم على مواجهة الغموض بالتجربة العلمية وتأكيد المعلومة قبل المضي قدما بجهود التأسيس المبالغ فيها. بهذه الطريقة تكتشف عميلك المحتمل بطريقة عميقة، تخرج إلى الشارع، تجرب أكثر، تختبر، وتحافظ على ما تتعلمه وتستثمر فيه. وهكذا، يصبح للمنشأة التي تتأسس قوام رشيق ومرن يقلل كثيرا من مخاطر العمل التجاري، خصوصا مخاطر التأسيس. صدرت أخيرا عدة كتب أخرى تشرح وتضيف المزيد من التحسينات والأمثلة لتطبيق هذا الأسلوب المهم في تنفيذ المشاريع.

يدور التغيير الثالث حول الفهم الجديد للقيم والمهارات الشخصية التي يملكها ــــ أو يجب أن يملكها ــــ ريادي الأعمال، والتي ترتبط أساسا بإدارته لنفسه وإدارته للغير. ساهم اهتمام الدول والحكومات بالمؤسسات الصغيرة، إضافة إلى متابعة مراكز الأبحاث ودور النشر ومدوني الإنترنت، في تبادل تجارب وممارسات ريادة الأعمال مما أدى إلى ظهور طبقة جديدة متخصصة من أدوات التطوير الذاتي التي تساعد على صنع الإنجاز في خضم التحديات، وهذا تماما ما يفعله الريادي.

وسواءً ارتبطت هذه القيم والمهارات بمواجهة التحديات والإصرار أم بالالتزام والتنظيم “وبكل تأكيد بالجرأة والإبداع والشغف” فهي تظل ذات أهمية كبرى لكل إنسان يحرص على مستقبل أفضل في حياته. أصبحت العديد من الجهات تصرح بأهمية نقل هذه المفاهيم الريادية ــــ التي يعاد اكتشافها ــــ إلى أماكن العمل والمنزل “المفوضية الأوروبية توصي دول الاتحاد الأوروبي بتعليمها”، حتى لو لم تكن حياة الشخص مرتبطة بريادة الأعمال بطريقة مباشرة.

من يتصفح الإنترنت ير العديد من المقالات عن عادات الرياديين الأكثر نجاحا، وكيف يبدأ الريادي يومه وكيف ينهيه. وعلى الرغم من المبالغة ــــ التسويقية ــــ في صياغة هذا النوع من المقالات والتدوينات، إلا أنها تبشر بعصر جديد تتحول فيه مفاهيم ريادة الأعمال إلى مواصفات مهمة للإنسان الناجح.

يرتبط جل هذه الأساليب الإدارية بمهارات الإنسان الأساسية التي يحافظ بها على البقاء، فهي تدور حول التركيز على ما هو ضروري واكتشاف المجهول والمغامرة والابتكار وتحسين فرص الأجيال المقبلة من بعده. لذا، لا تعد هذه المفاهيم ابتكارات إدارية بحتة وإنما هي على الأرجح مجرد اكتشافات مؤثرة للأساليب الأفضل التي يتميز بها الناجحون. والناجح طبعا هو من يحرص على تعلمها والتزود منها سواء بالقراءة، وإن كان محظوظا، بالممارسة والتعلم المباشر.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ7 مارس 2014

(top image: http://kevinkauzlaric.com/lean-entrepreneur-book-review/)

 

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى إدارة وتحفيز, ريادة أعمال

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: