طارت طيور (التجارة الإلكترونية) بصفقاتها

أنت تعقد الصفقات في كل لحظة، ونتائج هذه الصفقات تأتي لك أو عليك، سواءً كانت صفقاتك بإصرارك وتوجهك الواضح أو بإرادتك الضعيفة غير المكتملة.

ولكل صفقة دائما نتيجة محددة: ربح أو خسارة! عندما يفوّت أحدهم صفقة جيدة فهو يعقد صفقة سيئة في اللحظة نفسها، هي صفقة خاسرة شعارها “فرصة ضائعة”. هذا ما يحدث اليوم في سوق التجارة الإلكترونية محليا.

طارت الطيور

عشرات التحديات تقبع في قائمة الانتظار منذ سنوات، تلك القائمة التي تسمى: طابور “الحل القادم”، بينما يعقد الآخرون الصفقات ويختارون الفرص بكل أريحية من سوقنا المحلية. يظن البعض بأن التجارة الإلكترونية لا تزال ظاهرة جديدة، بينما وجودها في المنطقة يتجاوز اليوم العقد من الزمان. وفي الوقت الذي تتراكم فيه القيمة لدى غيرنا – الذي يفتقر للمقومات الموجودة لدينا – يعاني الشاب السعودي في محاولاته لنفع نفسه وبلده لأن بعض التحديات التقليدية لم يواجهها أحد بعد.

لن أتحدث عن الصفقات الدولية التي تحركها القوة الشرائية للمواطن الخليجي ولا عن الاستراتيجيات الاستثمارية والتسويقية التي يُحفزها وجود السعوديين بالساعات يوميا على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن هناك ما هو أكثر تحديدا وواقعية.

بدأت تتأكد الأحاديث عن صفقة ضخمة قادمة – قد تكون تاريخية على مستوى العالم العربي– يستحوذ فيها عملاق التسوق العالمي “أمازون” على موقع “سوق دوت كوم” الذي يدار من دبي. وغني عن الذكر أن هذا الموقع يستهدف المستهلكين العرب، حيث يتربع على قمتهم السعوديون بجمع ميزتين: الكثرة العددية والقوة الشرائية.

هناك الكثير من الدلائل، التي قد تشير إليها هذه الصفقة وغيرها من الصفقات، التي تدور بالقرب من السوق المحلية، لكنها لا تتفاعل معه بشكل كامل، إلا فيما يخص استغلال المستهلكين بطريقة مباشرة! ولا يخفي اليوم – في التجارة الإلكترونية أو في مجالات أخرى كالتجزئة والخدمات – توجه الكثير من المستثمرين إلى دول مجاورة استهدافاً لضخامة السوق السعودية وفي الوقت نفسه، هرباً من سلبياتها. في حين تبقى المعادلة الاقتصادية والاجتماعية المحلية مشوهة بفعل هذا الوضع، فالناتج المحلي لا يستفيد من هذا الحراك والمستهلك يدعم الوظائف خارج بلده.

بالطبع لا يمكن لوم من يستغل الفرص بطريقة مشروعة، فهذا حق صريح له. لكن يجب أن يخضع تحت دائرة المساءلة كل من يتسبب في تحول التحديات إلى عقبات دائمة، خصوصا من تتمحور مهام عمله حول تذليل هذه العقبات. وعلى الرغم من أن التحديات تتوزع على جميع المجالات، خصوصا تلك التي نحتاج إليها لتنويع مصادر الدخل كالصناعة مثلا، إلا أن للتجارة الإلكترونية اعتبارا مختلفا تستحق به الدعم الاستثنائي، لسببين:

  • الرتم السريع للتجارة الإلكترونية، فأي تأخر في التعامل معها يحولك من مُشارك إلى مُشاهد.
  • والسبب الآخر يصنعه الواقع الافتراضي الذي يسهل استيراد مكونات هذه الصناعة وإدارتها وإعادة تصديرها، مقارنة بغيرها من المجالات.

تكثر التحديات المتراكمة في سوق التجارة الإلكترونية، وتذليلها لن يصنع لنا فقط دوياً لصفقات محلية ضخمة، بل سيشكل حراكا اقتصاديا إيجابيا منتجا، يصنع المزيد من الوظائف ويعالج جزءا من التشوهات الموجودة على مستوى العمالة الأجنبية أو جودة المنتجات أو حتى كفاءة العديد من الإجراءات والسلوكيات.

إضافةً إلى ضعف الجهود وتباطئها وتدني جودة الخدمات الحكومية ذات العلاقة – التطور مستمر، لكنه يظل دون المقبول – فإنه يسهل ملاحظة غياب الجهة الموحدة التي تتصدر رعاية هذا المجال وتشكل عامل ضغط مؤثرا في بقية الأطراف، وهذه المشكلة نفسها التي تعانيها المنشآت الصغيرة وريادة الأعمال والعديد من الملفات الأخرى المهمة.

قد نستطيع حصر تحديات التجارة الإلكترونية حول ثلاثة محاور: أنظمة الدفع، التوعية المجتمعية، البنية القانونية والاستثمارية. على الرغم من أهمية المسائل اللوجستية أو التقنية، إلا أن البدائل موجودة – ولا أقول يسهل، لكن – يمكن استخدامها. لن تقوم التجارة الإلكترونية كما يجب إذا كانت بدائل أنظمة الدفع المحدودة والضعيفة غير آمنة أو غير مرنة. وهذه المشكلة في الحقيقة تثير الكثير من المهتمين، لأنه على الرغم من وجود البنية التحتية المالية الجيدة – كنظام سداد وشبكة المدفوعات المحلية – إلا أن المتاجر الإلكترونية لا تجد الدعم الكافي بعد ولا تجد ما تمنح به الثقة لعملائها.

يصعب صنع أو استيراد بعض عناصر نجاح التجارة الإلكترونية، كالتعداد البشري والقوة الشرائية والسيولة المتداولة، بينما تبقى العناصر المتعلقة بالبنية التحتية وبيئة العمل مرهونة بأداء الجهة المسؤولة عنها. ومن هذه الأخيرة تأتي الثقة التي تُصنع بالتبادل بين الجهود التطويرية المستمرة وبين التوعية المجتمعية الفاعلة.

لا يستطيع أحد أن يطلب من الناس أن يثقوا بنظام غير موجود، ولن تنجح أي جهود بدون أن يتم إيصالها للمستهلكين بطريقة فاعلة وإيجابية. يدخل تحت هذا التبادل بين الواقع والثقة توجيه المستثمرين وتحرير تحفظهم تجاه الفرص المحلية المُنتجة، إضافة إلى بقية أنواع الدعم النوعي “الفاعل” الذي يفترض أن تمنحه برامج ريادة الأعمال، وإلا ستعتاد الطيور الطيران بالصفقات ونعتاد نحن الطعم المر للفرص الضائعة.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 28 فبراير 2014

نبذة

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: