ذكريات مهمة على أوراق صغيرة

 لا يتمنى أحد تذكر الأحداث المؤلمة والمواقف السلبية. نحن نُصرّح أحيانا بأن نسيان اللحظات البائسة فن إيجابي مهم، لأنها تكبلنا وتقيدنا بماضٍ لن يعود، والنسيان هو طريق التحرر من هذه القيود. وكذلك يتعامل بعضنا مع مصروفاته وما يُخرجه من محفظة نقوده، يستمتع باللحظة ويرمي الفاتورة محاولا نسيانها للأبد، لا يود تذكر ما تَكبّده من مشقة في “الدفع” وما خسرته خزانته من أموال عزيزة على قلبه!

ولكن، هل سداد المصروفات موقف سلبي للنسيان أم إيجابي للتذكر؟ هل هذه “المصاريف” تتطلب التوثيق والاستحضار المستمر أم التجاهل ورميها مع مخلفات الزمن الذي لن يعود؟

alg-receipts-jpg

المصروف الذي نتكبده مجرد تعويض عن شيء نرغب في الحصول عليه. هو في الأساس اختيار نقوم به لغرض الانتفاع والتمتع. وأما المبلغ الذي نقوم بسداده فهو ضحية قمنا بتقديرها وبذلنا لها ثم تخلصنا منها، بكامل إرادتنا. وفي محور هذه العملية التبادلية -للتكلفة والمنفعة- تتغير الكثير من ملامح حياتنا، على قدر ما نخسر من ثروات وما نكتسب من قيمة. أسلوب التعاطي مع المصروفات يحدد طريقة النفع من الأموال التي نكسبها. باختصار، تَذكُّر المصروفات جيدا والتعلم منها، يجعل الجديد والقادم أكثر نفعاً ومتعة.

المصاريف…ممتعة

المصروف مجرد أثر لحدث ماتع ومرغوب. نجمع المال بطيبة نفس، ونضحي به بطيبة نفس كذلك. لا يوجد هنا ما يستحق النسيان. بل إن نسيان المصروفات ضعف إداري يهدد قدرتنا على التعاطي الفاعل مع الحياة. عملية التعويض أو سداد المصروفات مجرد جزء من دورة “لوجستية” ذاتية، تبدأ بالنية وتقوم بالجهد وتحصل بالسداد وتنتهي بالاستخدام. نسيان أحد أجزاء هذه الدورة يعني فقدان قدرتنا على التعلم. من يحاول نسيان “مصاريفه” كمن يحصل على الخبرة ثم يرميها خلف ظهره، حينها يصبح “المستقبل” أول المتضررين.

إدارة المصروفات من أهم الاعتبارات في الإدارة المالية الشخصية؛ والقدرة على رصد المصروف ومتابعته والتعلم منه من أساسيات إدارة المصروفات. التخطيط المالي لا يعني أي شيء إذا لم يكن لدى الشخص معرفة وافية بسلوكه الاستهلاكي وطريقة تعامله مع المال الذي يجتهد له والمنافع التي يُحضرها به.

أساليب رصد المصروفات كثيرة، وقد تبدأ من المحافظة على الفواتير، خصوصا تلك الصغيرة منها receipts، إذ تحتفظ بمعلومات مهمة تستحق التذكر “الزمان والمكان والقيمة والمصروف”. إدارة الفواتير فن مستقل يَحسُن فيه رصدها وتبويبها وجمعها ومراقبتها باستمرار. يصنع الشخص هنا قاعدة بيانات اقتصادية شخصية – أسرية، قابلة للمعالجة والتحليل وقد يخرج منها بمعلومات عظيمة. هناك من يضع صناديق “كرتونية” صغيرة في مدخل المنزل – صالة الجلوس، ويطلب من جميع أفراد الأسرة جمع كل فواتيرهم في هذه الصناديق، ويكلف في نهاية كل شهر أحد أفراد الأسرة بجمعها وتبويبها “وهذا تمرين جيد على تحمل المسؤولية وتعزيز الثقافة المالية”. النتيجة بعد مراقبة أداء المصاريف، تحسن أكيد وكبير في التعاطي معها وتطور إيجابي في السلوك الاستهلاكي.

برامج جوال وحلول أخرى..

الخطوة الثانية بعد جمع الفواتير تكمن في وجود سجل دائم على البرامج الاحتسابية “مثل الـ Excel واليوم في الجوال كذلك” لرصدها وتحليلها، حيث يصبح التخطيط لمصاريف الأسرة مبنيا على مدخلات حقيقية. يعتقد البعض أن استخدام التقنية نوع من الرفاهية أو يتطلب أن تملك مهارات معينة، لكنه أمر سهل ومهم جدا. هناك مهارات أخرى تُسهّل من السيطرة على المصروفات، كاستخدام بطاقات السحب المدفوعة مقابل التقليل من استخدام النقد. إذا امتنعنا تماما عن استخدام النقد في السوبر ماركت المركزي، وعند التسوق الموسمي، وعند سداد الخدمات، فنحن نحصل على تقرير مجاني من البنك لمصاريفنا. الاعتماد على التعامل النقدي المباشر يجعل الأمور فوضوية أكثر، ولا يترك ما يكفي من الأثر للمحاسبة.

رسالة صامتة..لزوجتي!

يظل التواصل داخل الأسرة وفن “التبليغ” المستمر لأخبار الأداء الاستهلاكي من أكبر المؤثرات في الإدارة المالية. أحد الأصدقاء يقول: “أنا لا أستهلك الكثير من النقاشات المالية مع زوجتي، لكن في نهاية كل شهر أرسل لها رسالة صامتة بمجموع مصاريفنا في كل مجال. الالتزام بالحدود التي نضعها سابقا يعني فرصة لتوسيع هذه الحدود وشراء المزيد، عدم الالتزام يعني تضحية مشتركة في الأشهر المقبلة. الحمد لله، التطور مستمر وشرطه: مراقبة المصاريف جيدا”.

هناك من يعتقد -مخطئاً- أن الفواتير الصغيرة تصبح مهمة في حالة استبدال المشتريات فقط، ومراجعة المصاريف “تجيب الهم”، والنسيان دائما ماتع! لكن الاحتفاظ بهذا النوع من التذكر المستمر والمهم يمثل جوهر مفهوم الاحتساب والمراقبة الذاتية التي توصي بها الشريعة في كل مناحي الحياة. وهي أيضا من أساسيات المحاسبة والمراجعة الحديثة، حيث لا مراقبة فاعلة دون وجود أثر يمكن متابعته، تماما كمفهوم مسار المراجعة Audit Trail. وكذلك على مستوى الأسرة، لا يمكن الاستمتاع بالمال والاستفادة منه، إلا بمتابعة مساره جيدا.

 

*نشر بصحيفة الاقتصادية بتاريخ 31 يناير 2014

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة, حسابات الريادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: