خسائر معرفية بالجملة

تعويض الخسائر دائماً متاح، لكنه يصبح أصعب بكثير حين تكون الخسائر مكررة، ضخمة، أو خفية.

من أكبر الخسائر التي يتعرض لها أي مجتمع هي تلك الخسائر التي ترتبط بالمعرفة التي يملكها، ولأن نموه وتطوره مرتبط بها، فأي خسارة معرفية تعني التدهور على أكثر من صعيد. تتكرر خسائر المعرفة بسهولة، وتتراكم بسرعة، وقد تحدث من دون أن يشعر بها أحد، وهذا عائد لخصائصها النوعية ومتطلباتها غير المحسوسة. لاتساع مفهوم المعرفة وتعدد الأفكار المتعلقة بفقدانها (مثل: سوء بناء ومعالجة وتداول وتخزين المعرفة)، سأحدد الحديث هنا عن المعرفة المتعلقة بممارسات الأعمال، عسى أن تكفي مثالاً وشرحاً لأحد أعظم مواطن الهدر في مجتمعنا.

 الخبرة..مثال جيد

بدايةً، تعتبر الخبرة مثالاً تمهيدياً جيّداً لأثر الخسائر المعرفية. قد تتعرض مثلاً المنظمة الناجحة لهزة قوية إذا اختفى الموظف الأكثر خبرة بطريقة مفاجئة. أي مشروع مادي أو معنوي يتطلب قدراً من الخبرة. من دون الخبرة، ترتفع تكلفة المشروع وقد يصل إلى استحالة التنفيذ. تُصنع فرص بناء الخبرات الجديدة عند غياب الخبرة. لكن إذا لم تستثمر هذه الفرص جيداً لن يكون هناك تعلم إيجابي ومفيد، وسيصبح كل مشروع جديد مجرد مشروع جديد بتحديات جديدة شبة مستحيلة، تماماً كاللحظة الأولى. وهنا تظهر فائدة إحدى أهم مميزات الجنس البشري، التي أنعم الله بها عليه، وهي القدرة على التعلم المتنامي، والحفاظ على المعرفة الجديدة، واستغلال الخبرات لعبور الطريق نفسه بفاعلية أكبر، ربما أسرع وربما بتكلفة أقل أو كليهما معاً. وفي هذه المسائل نظريات وأدوات متعددة، منها ما يطلق عليه“منحنى التعلم” أو أساليب التعلم الديناميكي.

ضعف التنسيق

غياب الأهداف المشتركة وتدني التعاون بين مؤسسات المجتمع بأنواعها يزيدان من الخسائر المعرفية. على سبيل المثال، تُقبل المملكة على اعتماد معايير المحاسبة الدولية، وهذه المعايير التي تعتبر جديدة على الشركات – باستثناء المصارف المحلية – تُدرَس من قبل اللجان المختصة لتقييم أثرها وأسلوب تطبيقها الأمثل. لكن، يتم تنفيذ هذا المشروع بمعزل عن الخبرة التي تراكمت لدى المصارف خلال الفترة الطويلة التي طبقت فيها المعايير الدولية. وهذا عائدٌ في الأساس لطبيعة الترابط التنظيمي والفني بين جهات حكومية عدة، ناهيك عن آلية تطبيق المعايير في المصارف التي لم تحرص على تراكم المعرفة الفنية المتخصصة بطريقة قابلة للمشاركة والاستثمار. النتيجة؟ خسارة معرفية ضخمة وإعادة كاملة لاستقطاب المعرفة، من جديد. نستطيع القول: إن عملية استقطاب المعرفة كانت بلا تعلم!

مدرسة جيدة..ومدرسة سيئة!

من الأمثلة الأخرى، التباين الشديد للمستوى التعليمي بين بعض المدارس الأهلية والمدارس الحكومية، بل بين بعض المدارس الحكومية والمدارس الحكومية الأخرى. على الرغم من سلبيات النظام التعليمي، لا أحد ينكر وجود مدارس متميزة ببرامجها ومخرجاتها. والسؤال: أين توثيق هذه النماذج الناجحة؟ هل هي تجارب متاحة للتعلم؟ هل يستطيع أي مدير أو مسؤول الاطلاع على تفاصيل الممارسات الناجحة والتحديات التي واجهتها هذه المدارس وكيفية تغلبها عليها؟ هنا أيضاً، تبقى هذه المعرفة “المحورية” بعيدة عن دورة تعلم وتنمية المجتمع والتي يفترض أن تعتمد على نسخ الجيد والمجرب، وعدم ابتكار العجلة من جديد. دورة التعلم هذه هي السلوك الافتراضي الذي يتكرر به النجاح وينقطع بعده الفشل، كل الحلول الأخرى خاسرة، بطبيعتها أو بالتكلفة.

سلوك المستهلك..أين البيانات؟

من أكبر أمثلة الخسارة المعرفية ما نجده عند البحث عن سلوك المستهلك. منذ سنوات عديدة وآلاف المنتجات والخدمات تقدم للمستهلك من قبل الدوائر الحكومية ومقدمي الخدمات العامة والمؤسسات التجارية. لكن حتى اليوم، تبدأ الكثير من التجارب من الصفر، وتظل في مرحلة تعلم طويلة حتى إذا وصلت وضعية مناسبة لمواءمة توقعات المستهلك مع القيمة المقدمة له، تنتهي القصة لسبب من الأسباب. وحينها تأتي شركة جديدة، أو تنتهي دورة المنتج، أو تُدمج الجهة التي تقدم الخدمات، وتبدأ مرحلة التعلم من جديد. النتيجة؟ خسائر معرفية مكررة تستمر لسنوات طويلة يعيش فيها الفرد والمجتمع تحت وطأة من يتعامل معه بلغة لا يفهمها. وهكذا، تتجلى حالة من النشاز وعدم التناغم بسبب مشكلات مرتبطة بجودة المعلومات التي يتم عرضها وتوثيقها، من حيث صعوبة تدويرها وإعادة استهلاكها، وقابلية تبادلها ناهيك عن اكتمالها وتوقيت عرضها. السيطرة على مشكلة استهلاك الطاقة مثلاً تصبح أسهل بكثير إذا كانت بيانات السلوك الاستهلاكي مصنفة جغرافياً واجتماعياً وتاريخياً، ومتاحة.

عندما نتحدث عن المعرفة المتعلقة بممارسات الأعمال، فنحن نتحدث عن كل شيء نتعلمه لنقوم بفعله بطريقة أفضل. يجب أن يخضع هذا النوع المهم من المعارف للتوثيق الملائم – يمكن استرداده والاطلاع عليه – وأن يتناغم إيجابياً مع غيره، كالمعرفة النظرية في أروقة الجامعات وما يقابلها من المعرفة العامة في الشارع. المجتمع الذي يطمح للتغيير والبناء لا يترك عملية بناء المعرفة للفوضى، بل لديه قنوات ومصادر وطرق واضحة لجمع وحفظ وتدوير هذه المعرفة المحورية لعملية التنمية، يتفادى تكرارها بلا فائدة ويحافظ عليها من الهدر والضياع، تجنباً للخسائر. هذه النتيجة ليست مستحيلة، إذا كانت هناك جهة مركزية تقوم بقيادة جهود الاستثمار في المعرفة العملية وتحفز تداولها وتبادلها.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 24 يناير 2014

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: