الحوكمة الشرعية وحرية الرقابة

* للتعرف على مفهوم الحوكمة الشرعية راجع هذه التدوينة السابقة. 

تقع هيئة الرقابة الشرعية في جوهر تطبيقات الحوكمة الشرعية، خصوصا أنها حجر الأساس لمصداقية المصرف الإسلامي ومصدر أساسي للثقة والمعرفة النوعية المهمة. يتسع الحديث عن الهيئات الشرعية ويثير الآراء ويحفز على النقد كذلك، وهنا تسطع عدة جوانب مهمة في كيفية تعرض العامة (والمستفيدين من مخرجات هذه الهيئات) لمن يقوم عليها من مشايخ وعلماء. وهذا ما يعزز أهمية مسألة الشفافية والعرض المعياري المباشر للعديد من خصائص الهيئات الشرعية، التي يجب أن تخضع أساسا لتطبيقات الحوكمة المختصة بالرقابة الشرعية. ببساطة، لا بد من تنظيم “إيجابي” وفاعل للعلاقات والأدوار الموجودة بين هذه الأطراف.

تتمحور أغلبية الإشكالات المثارة حول استقلالية الهيئة وخلفية أعضائها الفقهية والفنية. ومن المقتطفات المهمة بخصوص هذه المسألة ملاحظة الفروقات بين الدول الإسلامية في التعاطي مع حوكمة المصارف عموما ومع مستوى التنظيمات الموحَّدة للرقابة الشرعية، ماليزيا وباكستان مثالا. تتجه بعض الدول لهيئات الرقابة المركزية وزيادة المعيارية وتقليل الفروقات في أسلوب مراعاة تطبيق الشريعة بين البنوك، بينما تترك بعض الدول الأخرى المسألة بالكامل في عهدة المصرف الذي تراهن عليه لتقييم وتنظيم الرقابة الشرعية حسب حاجته مع عملائه ومستثمريه افتراضيا في أسواق حرة وعادلة، لكن واقعيا في بيئات مستغلة بسبب التشوهات المعروفة في هذه الأسواق. تعود الفروقات بين الدول إلى أسباب عدة منها (غير مرتبة): ندرة الكفاءات، سياسة البنك المركزي، الوعي العام، فاعلية النظام القضائي، انتشار الفساد ومجموعة طويلة من المؤثرات المختلفة.

الفضائح الشرعية! 

وهكذا، تتعرض عناصر الرقابة الشرعية (كالاستقلالية والكفاءة والمرجعية الفقهية وشفافية الإجراءات ودرجة توحيدها) إلى العديد من التحديات. لكن حسب ادعاء أحد أعضاء هيئات الرقابة، لم تخرج حتى الآن أي فضيحة في المصداقية أو النزاهة لأي بنك إسلامي على مستوى الرقابة الشرعية، أي أن تجربة الحوكمة الشرعية حتى الآن ناجحة بامتياز. وهذا – حسب رأيه – لا يعني طبعا أنها لا تحتاج إلى المزيد من التطوير. يعتمد وجود الفضائح وإعلانها على عناصر عديدة كمصداقية الإعلام وثقافة المستهلك وفاعلية النظام القضائي وطبيعة الضرر. فمن يتضرر شرعيا يستغفر ويتوب بينما المتضرر المادي هو من سيطالب بحقه عن طريق القضاء؛ الأكيد أن اختفاء الفضائح لا يعني عدم وجودها.

تمرير الذمم

هناك مكاتب دولية متخصصة تقدم خدمات الاستشارات الشرعية وهندسة المنتجات وتأهيل وتمهيد المقترحات وربما عرضها على علماء مستقلين قبل تمريرها نظاميا داخل المصارف. لهذه المكاتب – كأطراف خارجية – دور كبير في سير وفاعلية الحوكمة داخل المؤسسات المالية. بكل تأكيد، زيادة الأطراف في المعادلة ترفع من فرص انتقال الذمم وتحميلها على الآخرين، وهذا تهديد واضح وجلي يرتبط بندرة الكفاءات والاستثمار في الموارد البشرية.

في السابق، كان الفقهاء الشرعيون يحصلون على عضوية الهيئات الشرعية، وفي الغالب لديهم بعض المعرفة الاقتصادية أو المالية أو في مجال آخر قريب. اليوم، وعلى مستوى المصارف في الدول الإسلامية وفي خارج الدول الإسلامية، بات هناك متخصصون في القانون وأخيرا في المحاسبة يحصلون على تأهيل شرعي وينضمون إلى هذه الهيئات، لا تزال الأعداد قليلة، لكنه تغير إيجابي في ازدياد. في كل الأحوال، تنوع المؤهلات والخبرات ومواءمتها مع أهداف هيئات وإدارات الرقابة هدف مهم يستوجب الحوكمة والتنظيم.

تهذيب إجراءات صنع الذمة

تعد هيئة الرقابة الشرعية أداة مهمة تضفي قيمة معنوية سامية على المستهلك وتعتمد على الذمة؛ وفي دنيا التعقيد والمصالح لا بد من تهذيب الذمة بالقوانين والإجراءات، وأقرب تطبيق عصري لهذا التهذيب هو “الحوكمة”. ومع ذلك، تظل الأحكام والفتاوى والشهادات – حتى بعد التهذيب – على درجة عالية من اللاموضوعية وتعتمد على ذمة المفتي والفريق الإداري الذي يشاركه العملية (المصرف، وإدارة الرقابة، والمكاتب الاستشارية، مرة أخرى- تعدد الأطراف هنا يسمح بتنقل الذمة سلبيا وإخلاء المسؤولية بتركها على الطرف الآخر). في النهاية، نجد أن المؤسسة الصادقة تتبنى المزيد من العناصر التي تسمح بوجود عمل موضوعي عادل ومستقل، بينما المؤسسة المخادعة أو المستغلة تستخدم من هذه العناصر ما يسمح بالحصول على ثقة المستهلك وتحفيزه على شراء منتجاتهم، ولن تزيد من تطبيق المعايير إلا عند الحاجة فقط. وهنا يأتي الدور المحوري على الجهات التنظيمية بالتفريق الجيد بين ما يجب أن يخضع للحوكمة والتنظيم الموحد وبين ما يعد حرية تجارية من حق أي مؤسسة ممارسته كما تحب.

الرقابة الشرعية والمخاطر التشغيلية

لا أنسى التذكير بأن كل ما سبق كان عن حوكمة المصارف الإسلامية من وجهة نظر تقليل المخاطر التشغيلية، أي الحصول على التأكيد المعنوي الديني الذي يضمن تمرير المنتج لمستهلكيه، تحديداً: الرقابة الشرعية للمنتجات. لكن هذا المفهوم هو مجرد تطبيق محدود لمفهوم الحوكمة، حيث إنها أوسع من هذا وتختص بعلاقات وأطراف وعناصر أكبر بكثير. وقد يكون في مجموع المقاصد الإسلامية والقواعد الفقهية ما يلهم بأبعاد أخرى لحوكمة الشركات تصلح لتهذيب المفهوم حتى لمؤسسات العالم الغربي، وهذا يحتاج بلا شك إلى حيازة العلم الشرعي، إضافة إلى التمكن من التطبيقات الرأسمالية الحديثة وامتلاك القدرة على تهذيبها وتطويعها.

نبذة

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى التمويل الإسلامي

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: