زميل سعودي .. «فاخر»: ب (الزمالة المهنية)

تأتي السيارات في نسخ “عادية” وفي نسخ أخرى “فاخرة”، مثلها مثل كثيرٍ من المنتجات الأخرى. كذلك السعودي الذي يحصل على تأهيل وزمالة مهنية في تخصصه، فهو كالمنتج الفاخر. غير أن هذا التميز لا ينفع فئة محدودة فقط (مثل الغني التاجر والغني المستهلك) إنما ينفع المجتمع بكل فئاته، بمن فيهم الزميل الحائز على الزمالة وكل من يستفيد من خدمات هذا الزميل.

تفاصيل..بعناية

يصنع الفرد لنفسه مجموعة من التفاصيل التي يختارها بعناية، أو بعشوائية. والاعتناء – بأي شيء – يحول العادي إلى مميز ومفيد، بإضفاء القيمة وتحسين القدرات. وهناك ما هو مقدم على مجرد الوصول إلى التميز، وذلك هو حسن “التأهيل”. يدل التميز على التفرد والاختلاف الإيجابي وربما التقدم على الآخرين، بينما حالة التأهيل التي تصنعها بعض التفاصيل – حين نعتني بأنفسنا – تعني نجاح العلاقة بين ما نقوم به فعليا وما يجب أن نقوم به. التأهيل هو ما يحقق التمازج والتناغم بين الأدوار التي نتوقعها لأنفسنا وبين قدراتنا التي نصنعها ونستثمرها.

بالتأهيل تتواصل الجهود مع الأهداف كما تسمح اللغات الحية بتواصل الناس بعضهم مع بعض.

ومن وقتٍ مبكر، يبدأ طريق التأهيل المهني بعناصر تنمو وتُحفز لدى الفرد مثل الطموح والشغف والجديّة. يمر بعد ذلك بالتأسيس المعرفي والمهاري في المراحل التعليمية حتى الانضمام إلى المجتمعات المهنية المنضبطة. تتنوع هذه المجتمعات حسب التخصص وحسب الدور الذي تقوم به، منها ما هو إلزامي رسمي ومنها ما هو اختياري تطوعي. بعضها يستمد قيمته من التجمع والتواصل وبعضها من التعلم المستمر والاختبارات المؤهلة. وللمثال، سأركز حديثي على نوع واحد فقط، وهو الشهادات المهنية “الاختيارية” التي يحق للحاصل عليها الانضمام إلى مجتمع مهني في تخصص معين وربما تسمح له بالقيام بأدوار تقتصر على حامل الشهادة فقط.

أمثلة..

أمثلة هذه الشهادات كثيرة ومتنوعة تكاد تكون موجودة في كل التخصصات. نجد في المجال المالي شهادة المحاسب القانوني (محليا، زمالة الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين) وهي اختيارية لمن لا يرغب في العمل في مجال مراجعة الحسابات، وهناك شهادة المحلل المالي المعتمد (CFA). في الرقابة هناك زمالة المراجعين الداخليين (CIA) وفي الرقابة التقنية هناك شهادة “مراجع نظم معلومات معتمد”(CISA) . في التخطيط المالي هناك شهادة “مخطط مالي معتمد”(CFP) وفي الموارد البشرية هناك مثلا شهادة “مهني الموارد البشرية” (PHM) . وفي تقنية المعلومات (كخدمات الويب وقواعد البيانات) والهندسة والعلوم التطبيقية في مجالاتها المختلفة، قوائم لا تنتهي من الشهادات الدولية المعتبرة. ومن الجميل أن باب التأهيل المهني يتوسع اليوم محليا، سواء بانتشار حلول القياس والتقييم أو بنشاط بعض الجمعيات المهنية التي لا تخلو مصائرها من التحديات.

فوائد بالكوم

ولكن لماذا ينضم المواطن “المتخصص” لأحد هذه التجمعات المهنية؟ لماذا يقضي الوقت والجهد في الحصول على التأهيل وربما الاستعداد والجلوس – بعد سنوات طويلة – على طاولة الاختبار من جديد؟ هل الهدف أن يقال عنه زميل الجمعية “الفلانية” أم أن التأهيل سيمنحه بعض العوائد المادية فقط؟ يحصل السعودي “الفاخر” الذي نحتاج إليه اليوم على الكثير من الفوائد الجليلة، وفي الوقت نفسه يمنح غيره الكثير من أوجه القيمة. بالنسبة للفوائد التي تعود على الشخص فهي تبدأ أولا بتحسين الخيارات الوظيفية له واكتسابه المرونة العالية في التنقل إذ تمنحه بطاقة – صالحة مدى الحياة – لهجرة الوظائف التعيسة. هذا النوع من التطوير الشخصي يضمن كذلك التغيير الجذري في علاقة الموظف مع زملائه وعملائه ومديريه، فهو يضفي الثقة والمصداقية ويلمح إلى الجدية والرغبة في التعلم والتحدي. بهذه الطريقة يُصنع “بريستيج” مستحق واحترام أصيل يتبعه تطور في الحياة الشخصية (والأسرية طبعا)، ويتحقق له الأمن الوظيفي بصورته الأفضل، وتظهر نتائج الرضا الوظيفي في تجلي الثقة وحسن الأداء وتميزه. وفيما يخص العوائد المالية، وهي هدف مشروع ومهم، هناك أمثلة محلية لمن تضاعفت رواتبهم عشرات المرات بعد الحصول على زمالة ما، وهذا حقيقي وموجود يعرفه ويصدقه من يقترب من المجتمعات المهنية المتخصصة.

جواهر مضيئة

التزامل المهني من أفضل ما يمكن إدخاله إلى سوق العمل؛ وهل هناك أدنى شك حول حاجتنا إلى مُواطن “فاخر” بالتأهيل ومعطاء بالقدرات يتواصل مع مجتمعه بفاعلية؟ لا تنقصنا أمثلة الشباب المتميز والمؤهل بأعلى جودة، لكن ما ينقصنا فعليا هو صنع الكم من هذا النوع نفسه. أي الانتشار الواسع للشهادات المهنية المتخصصة وبرامج التأهيل المهني المعتبرة ورواجها وقَبولها. أول ما يحصل عليه المجتمع من هذه الأعمال هو انتشار القيمة المهنية في الأداء، وهذا ما ينعكس على جودة الخدمات والمنتجات في حياتنا. إضافة إلى ذلك، تعزز هذه الأنشطة التجانس النوعي بين الأفراد والمعارف، وهذا التجانس من أكثر ما نحتاج إليه. وقد تعيد المواثيق الأخلاقية المهنية الرابط بين قيمنا الأخلاقية وبين الواقع المتهالك. تشبه هذه التفاصيل “المهنية” الألماسات التي تُرصع بها الساعات الفاخرة، لتصبح أغلى ثمنا وقيمة. غير أن كل ألماسة مهنية يتحلى بها الفرد ليست مجرد أحجار صامتة وثمينة، إنما هي قيمة مضافة تضيء حاضره ومستقبله لسنوات قادمة، شكلا وجوهرا. وجود هذا الزميل السعودي “الفاخر” استثمار في الجودة، له “وللمجتمع” وللزمن.

 

*نشر بالاقتصادية 3 يناير 2014

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى إدارة وتحفيز, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع, تطوير مهني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: