تحدي «الألف ريال»

قد يكون من الأفضل لك أن تحاول جمع ألف ريال من مصاريفك الشهرية على أن تضع جانباً ألفين أو ثلاثة كل شهر. أكثر صور الادخار انتشاراً تكمن في تجنيب مبلغ مقطوع من الدخل الشهري (20 % أو 30 % إذا استطعت الالتزام بنصيحة الخبراء) ومن ثم تصرف بقية الدخل في المصروفات المتنوعة الشهرية، الضرورية وغير الضرورية. في تحدي الألف ريال، يجب أن تفعل العكس. لا تدّخر بعض المال وتصرف ما يتبقى بكل أريحية، وإنما حاول أولاً جمع مبلغ محدد- ألف ريال مثلاً – من صلب مصاريفك الشهرية المعتادة، كل بند يشارك بحصته في جمع هذه الألف، ألف التحدي.

في هذا التحدي يتم مراجعة كل مصروف دوري اعتيادي (كفاتورة الجوال) لإعادة تقييم ما تجنيه من منافع مقابل التكلفة التي تتكبدها كل شهر، خصوصاً تلك الخدمات التي لن تضيف الكثير لجودة حياتك اليومية.

لو افترضنا مثلاً أنك تمكنت من حصد توفير بقيمة 100 ريال فهذا المبلغ يعتبر أول رصيد في ألف التحدي الذي ينتظر منك النظر في بقية المصاريف لإكمال هذه الألف. وهكذا تقوم بهذه المراجعة لجميع فواتير الخدمات، الأقساط، احتياجات الأسرة والأطفال والترفيه وخلافه.

هامش القيمة

يشكل هذا الأسلوب عملية ضغط مباشر على مصاريفك الاعتيادية بطريقة تساعد على فرز القيمة من هامش القيمة الذي يكلف مداخيلنا الشهرية الكثير والكثير. من الطبيعي أن نحدد أسلوب المعيشة الذي نريد والذي تستجيب له محافظنا، ولكن ما يحدث في أغلب الأحوال هو العكس، محافظنا هي من تحدد أسلوب المعيشة الذي نحظى به. إذا لم نسعَ للإدارة والادخار بطريقة تبدأ من اللحظة التي تخرج فيها النقود، أي من المصروف نفسه، فلن نعرف لماذا نصرفه بهذه الطريقة، وما هي الفائدة الفعلية التي نجنيها من هذه المصاريف. في المصاريف الشهرية ثقوب سوداء تشفط النقود، تتموضع حولها كل عوامل الجذب والإغراء. الادخار السلبي يكمن في تجنيب مبلغ من المال ثم التداعي أمام هذه الإغراءات والتسليم لها، بينما الادخار الإيجابي هو الذي يمكننا من التعرف على مواطن القيمة التي تحدد اختياراتنا وشخصياتنا وأمنياتنا كذلك.

قصة الكتاب

بدأت هذه الفكرة من الكاتب ”براين جي أوكونر” في مقالة منفردة تحولت إلى سلسلة صحفية ناجحة في صحيفة ”ديترويت نيوز” التي تطورت فيما بعد إلى كتاب جميل يسمى ”تحدي الألف دولار”. على الرغم من أن الفكرة خرجت في فترة الأزمة المالية والضغوطات الاقتصادية الضاربة خصوصا في الولايات المتحدة، إلا أنها لاقت رواجا رائعا ونبهت الكثيرين إلى أهمية تغيير طريقة النظر المعتادة إلى أسلوب التعامل مع المصاريف. يقول براين في إحدى مقابلاته: إن الخلاصة التي خرجت منها هي أن البحث عن الكمال فقط من أكبر عوائق الاقتراب منه.

يتحدث براين عن الكثير من أمثلة المصاريف التي لا تصنع أي شيء لنا بل قد تكون عنصر إرهاق وضرر يأكل مداخيلنا ويجعلنا نعيش تحت ضغط لا يستحق أصلا أن نتحمله أو نبذل الجهد للتعايش معه. ترتكز نصائحه على أهمية تسجيل المصاريف ومتابعتها والسيطرة عليها، فكل محاولات التعديل والتوجيه لتصرفاتنا المالية ستبوء بالفشل إذا لم نكن نعرف مداخيلنا ومصارفنا جيدا. وفي هذا السياق يجب ألا نتجاهل الحلول البرمجية العديدة للمساعدة على الإدارة المالية الشخصية.

فكرة المستودع!

المصاريف الدورية الدائمة (كفواتير الخدمات والاشتراكات والأقساط) هي أفضل ما يمكننا من النجاح في تحدي الألف. يشبّه براين العديد من المصاريف بفكرة المستودع، فهو يأخذ حيزا نضع فيه أغراضا لا نستفيد منها وقد لا نستخدمها طوال حياتنا. الاعتناء بالمستودع مكلف، هناك تكلفة النظافة والصيانة، وإذا تعطل القفل سنضطر إلى تغييره بقفل جديد، بل إن المستودعات تزيد من مخاطر الحرائق المنزلية! سنتخلص من كل هذا إذا تخلصنا من الأغراض التي لا نحتاجها! التخلص من المستودع بالكامل يعني الحماية من مجموعة متنوعة من المصاريف واستمتاع أكثر بالدخل، وهذا هو فحوى التحدي.

بالإضافة إلى الأمثلة المتعددة التي يبين بها براين كيف نركز على تخفيض المصاريف بدون أن تتدنى جودة حياتنا، يلخص نصائحه المذكورة في الكتاب إلى خمس نصائح ونصف نصيحة (كما يصفها هو). الأولى، عدم صرف المزيد من المال لغرض التوفير والادخار. الثانية، المصاريف الكبرى المتكررة هي الأهم، من يتحكم بها يجني المزيد من الأموال من مصاريفه. ثالثا، الوقت من ذهب. نصف ساعة في مراجعة المصاريف قد تكفل لك توفير الكثير والكثير من أموالك في المستقبل. رابعا، ضبط الأولويات على مستوى الأسرة، أي أن تحظى الأسرة بأولويات أسرية مشتركة وتفاهم مالي موحد. خامسا، البدء المباشر الذي لا يكون بتضييع الوقت والجهد في التخطيط المبالغ فيه بل بإيجاد المصاريف الزائدة وإيقافها في الحال. النصيحة الأخيرة – والتي يصفها براين بنصف نصيحة – تكمن في التمسك بالترفيه الدوري للجميع. وهذا يكون بطبيعة الحال بالتمتع بالأنشطة الخفيفة المستمرة، بدون فوضى ولا مبالغة.

والخلاصة..

تغيير أسلوب تفكيرنا على المستوى الاقتصادي الشخصي والتعامل مع مصاريفنا بصفتها الحقيقية التي تعج بمواطن الهدر والإغراء هو فحوى تحدي ”الألف”. فهو يجعلنا أقرب إلى السيطرة على المصاريف الدورية وينبهنا إلى مواطن القيمة، لنتمسك بما ينفع ونتخلص من الذي لا فائدة منه. الادخار ليس بديلا عن الترشيد وإنما خطوة لاحقة له.

 

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 20 ديسمبر 2013

نبذة

Contributor

أرسلت فى اقتصاديات الأسرة, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 1 day ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: