مَن يتحمل موت الوقف؟

تناقل الناس خبر السيدة الفاضلة التي أعلنت وقف مجموعة من الأصول بمبلغ 450 مليون ريال على هامش الملتقى الثاني لتنظيم الأوقاف في الرياض قبل أسابيع عدة، وتحدث الكثيرون بعد ذلك عن أهمية تسويق الأوقاف وتسويق فعل الوقف نفسه.

ولكن، ما مصير ملايين الريالات التي تخرج من عهدة مالكيها إلى عهدة المجتمع؟ هل هناك ما يكفي من عوامل الاستدامة والاعتناء بهذه الأموال لضمان وصولها إلى المستفيدين؟

يشير الواقع إلى أن الأوقاف تتهالك وتضعف حتى تندثر مع مرور الوقت، وهذا يخالف الناحية النظرية التي تفترض عدم اندثارها. قد يُلام من فشل في ”الماضي” في إدارة الوقف ولم يتمكن من الحفاظ عليه، مع تقدير الظروف المتغيرة والمتنوعة التي واجهتها الأوقاف خلال الأزمان السابقة. ولكن، هل يُلام ”اليوم” من يقوم على الأوقاف إذا ضَعُفَ الوقف بين يديه وبدأ يفقد عناصر قوته حتى يموت خلال بضع سنوات أو أجيال؟

أعتقد أنه يلام، بل يعتبر مفرطا يستحق المحاسبة والعقاب، على الأقل، لتغييبه فوائد الوقف عن مستحقيها. لكن لماذا هذا الفرق في التعامل بين ما يحصل اليوم مع الأوقاف وما حصل تاريخياً من بداية وجودها حتى قبل 40 أو 50 سنة سابقة؟ بكل بساطة؛ لأن الحلول الإدارية والتنظيمية وأساليب العمل المؤسسي موجودة ”اليوم” ومتاحة للجميع، وتعتبر ذات تكلفة متدنية نسبياً. إذا عجز أحدهم عن تطبيق هذه الحلول على وقفٍ ما، فله فرصة التعلم أو الاستعانة بالغير أو إعلان العجز والانسحاب وبيان أسباب ذلك إخلاءً لمسؤوليته أمام الله وأمام المجتمع.

نعم قد تكون هناك أسباب تنظيمية خارجة عن الإرادة تسبب خمول وتلاشي الخواص الوقفية في مؤسسة ما، ولكن الصمت عنها ومحاولة استمرار العمل على الرغم من ضعفه وهوانه يجعل النتيجة السلبية من إرادة هذا المسؤول الصامت. حتى في العالم الغربي، تنتشر الحلول والأدوات التي تساعد على استدامة العمل الخيري والاجتماعي غير الربحي. تراوح هذه الحلول بين ما يتاح من دعامات تقنية وحلول إدارية ومالية، وتشمل وسائل نماء الثروات واستبقاء الموارد البشرية المميزة. لا يوجد عذر لتهاون المسؤول عن الوقف (أو سلسلة المسؤولين التي تشمل المسؤول الحكومي والقاضي والنُظَّار والأمناء والعاملين والباحثين وغيرهم) في تطبيق وإظهار أفضل الموجود من حلول، وفي الحال.

الوقف..ِشركة مساهمة

يشبه الوقف الشركة المساهمة، لكن حقوقه ليست خاصة موزعة بين البعض في زمن محدد، بل سماوية تتطلب الشفافية المطلقة، وتستوجب المحاسبة العامة تاريخيا ومستقبليا. في الشركة المساهمة ينيب المساهمون غيرهم لإدارة استثماراتهم، ويوكلوا مراجع الحسابات ليضفي الثقة على أعمال الإدارة. في الوقف، كل المجتمع وكيل عن الفئة المستفيدة من الوقف وعن الأموال الموقوفة، ونظارة الوقف والقاضي والموظف وكلاء عن المجتمع في ذلك. في الشركة المساهمة تُنظم الحوكمة علاقة الملاك بالإدارة والمنظمين والممولين والمجتمع، ويحق للملاك التصويت على كل ما هو محوري ومهم في هذا العمل المؤسسي المنظم لإدارة الحقوق الخاصة. في الوقف، تحال أمور النظارة للقاضي؛ لأنه السلطة العليا التي تتأكد من عدل قيام الوقف وتحقيقه لأهدافه التي يحق لها تحديد أجرة الناظر وتقييم عمله وعزله. القاضي والناظر وكل من يرتبط بالوقف يقوم بأدواره ضمن علاقة محوكمة يمثلون فيها المجتمع ويتحملون مسؤولية تحقيق أهدافها.

أرض غير مستغلة قيمتها ملايين الريالات، مشروع تجاري لا يغطي نفقاته، أو منظمة وقفية ضخمة بلا كفاءة تشغيلية، ناهيك عن مجلس أمناء يحرص على توقيع قرار المكافآت النقدية، ويضيّع مال الوقف بتفويت الفرص وتآكل رأس المال عندما يتردد في اتخاذ القرار (وهو يظنه من الحرص والاحتراز). المسؤولية اليوم مضاعفة؛ لأن الأموال تنقص إذا لم تنمُ بسعر السوق. وعليه، لم تعد الأعذار السابقة صالحة، فالحلول موجودة والتبريرات مردودة.

خطة استدامة

يجب أن يقدم الناظر خطة استدامة و”دواما” يقابل بها الوقف التحديات الراهنة والمستقبلية. هذا لا يحدث إلا بوجود خلفية إدارية واقتصادية مع شجاعة على اتخاذ القرار في بيئة شفافة وخاضعة للمحاسبة. سواء كانت هذه المحاسبة عن طريق القضاء ”المؤهل” والعارف بأساسيات الاستدامة في اقتصاديات اليوم، أو من يحل محل القضاء من جهاز متخصص. في الوضع المثالي يُجبِر القاضي ناظر الوقف على تغيير طريقة الاستنفاع أو تعديل استراتيجية الوقف في التعامل مع النمو والمخاطر. الاستثناء الوحيد الذي يرفع الحرج عن هؤلاء المسؤولين يقع في الظروف القاهرة كالكوارث الطبيعية والفساد المسيطر، ولهذه حلول أيضا، ولكنها تختلف جوهريا عن التحديات التشغيلية الاعتيادية.

من يغيَّب مستوجبات حياة الوقف يتحمل نتيجة موته، سواء كان القاضي بقلة تأهيله أو الناظر بتهاونه، سواء كان موظفا في الوقف أم مسؤولا في جهة مرتبطة به. تبدأ المسؤولية من الواقف نفسه الذي يجب أن يحرص على تسليم العهدة لأيدٍ أمينة، وتنتهي هذه المسؤولية عند المجتمع ومن ينيبه المجتمع للقيام بأمر الوقف. لو تمكنت جمعية غير ربحية في البرازيل أو أمانة ورثة في الهند أو صندوق خيري في أمريكا من تحقيق الاستدامة والالتزام بدستور المؤسس عند مواجهة التحديات بمختلف الحلول، أيبقى لدينا أي عذر في إضاعة حق مستحقي الوقف في عمل عُهد به لله تعالى وأقرته الشريعة ويتسلم البعض (قاض وناظر وموظف) أجورهم لأجله؟

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 6 ديسمبر 2013

نبذة

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات وطن, التمويل الإسلامي, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: