تملك صعب أم استئجار دائم؟

ظهر حديث أحد الأصدقاء مقنعا حين أفصح لي بضرورة التخلي عن فكرة تملك المسكن! خصوصا بعد تأخر تحسن أوضاع مستحقي الإسكان حتى الآن. حاجة الإنسان إلى السكن تجعل السؤال يتكرر والجواب يختلف حسب المتغيرات والظروف. يرتبط القرار بمعطيات كثيرة أهمها الخيارات والحلول الموجودة فعليا على أرض الواقع.

تملك المنزل مسألة ضرورية، تلام الجهات المسؤولة عنها عند التقصير ويلام من يتقاعس عن تحقيق الأمان لأسرته. لكن: هل يحق لأي مواطن ”التنازل” عن فكرة تملك المنزل؟ خصوصا في ظل الظروف الراهنة. هل يصبح بهذا الاختيار عادلا مع نفسه ومع أسرته؟ وهل يحق لأي كان الترويج لمثل هذه الأفكار التي تظهر وكأنها مكملة للثقافة الاستهلاكية الهشة، حيث المتعة المؤقتة والهرب من الضغوط الاقتصادية على حساب الاحتياط للمستقبل! أم هي أفكار معقولة تستحق النظر والتداول؟

تملك المنزل..استثمار حقيقي

من ينجح في تملك منزله الخاص يحوز استثمارا حقيقيا يستطيع التصرف فيه كيفما يشاء. يعيش بالطريقة التي يحبها، يعدله كما يهوى، يبيعه أو يبيع جزءا منه، ويبقى لأسرته كتأمين معتبر لتقلبات الأيام. تملك المنزل ادخار مجاني دائم وخيار اقتصادي نموذجي تُكتب لأجله النصائح والمقالات. من المتوقع كذلك أن يكون المنزل الممتلك أجود وأوسع من المستأجَر، لأن تكلفة الاستئجار تحتوي على مكاسب لآخرين ”الوسيط والمالك المؤجر” وهؤلاء يخرجون من حياة مالك المنزل بالكلية. وعلى الرغم من غلاء الأسعار وصعوبة الحصول على مسكن، لا تزال خيارات التملك أجدى وأفضل على المدى الطويل من خيارات الاستئجار، عند المقارنة بينهما فقط. يمثل المنزل الممتلك كذلك حماية معقولة من التضخم، حيث إن المالك يستفيد ويغطي تكلفة السكن دون أن تستجيب محفظته لتقلبات سوق الوحدات الإيجارية، فهو على الأقل لا يلتزم إلا بأقساط ثابتة طويلة الأجل.

(أو) تملك المنزل..استنزاف للسيولة

إذن، ما الأسباب التي تدعو لتجاهل فكرة تملك المنزل؟ أول هذه الأسباب هو الاستنزاف الشديد للسيولة. تتأثر القدرات النقدية اليومية، بسبب الأقساط السكنية الكبيرة التي قد تستمر لمرحلة التقاعد. ولهذا يتساءل البعض: ”ما الفائدة من تملك ناقص -باستمرار السداد لسنوات طويلة- لا يكتمل إلا مع تلاشي البدلات وبقاء اليسير من راتب التقاعد، اللحظة التي يصل فيها أبنائي إلى الجامعة يتركونني، وأستمر أنا في سداد أقساط ضخمة لغرف فارغة لا يسكنها أحد”. ويقول آخر: ”ليس فقط المشاريع الترفيهية كالسفر، بل حتى قرار تعليم الأطفال في مدراس متميزة يتأثر بسبب ما يُقتطع من راتبي، ولأنني مضطر، دخلت مع أبنائي في مشروع توفير وادخار طويل الأمد من أجل أن نتملك منزلا، ولكن الوقت يمر وأنا أفقد الحماس ولا أعلم إن كنت سأستفيد من الفائض النقدي الذي يجب أن يتوافر لي في النهاية، هي في نظري مصيدة .. مثال حقيقي لطريق اللاعودة”. عند الكثيرين، هي حياة واحدة ومنزل واحد، وفرصة واحدة للتملك أو الاستئجار.

يقول صديقي: ”حسنا، أنا أريد أن أتملك، ومستعد لبذل كل ما يتطلبه الأمر، لكن ما الخيارات المطروحة أمامي؟”. التملك فكرة حسنة، لكنه يراها في غير هذا الزمان والمكان، لأن العوائق والتحديات وبكل بساطة أعلى بكثير من قدراته ومستوى دخله. لمثل هذه الفئة تنحصر المشكلة في الحلول الموجودة على أرض الواقع وليس مجرد حرية شخصية، فالخيارات فعلا محدودة. يثبت التحليل المالي أن وجود السيولة في استثمار متوسط المخاطر والسكن مستأجر أفضل من تقييد السيولة في منزل قيمته متضخمة في الأصل يحبس المال لسنوات طويلة. وهنا تظهر فكرة الاستئجار للسكن مع الاستثمار المالي المعقول بلا تجميد للسيولة، مع الاستثمار التربوي في الأبناء ليعتمدوا على أنفسهم مبكرا.

وبهذه الأفكار، في نظر هؤلاء، يتم تجاوز الظروف الحالية وتجاهل فكرة التملك، لأنها لا تلائم أوضاعهم. لا تكسب فكرة التملك الاهتمام بتفوقها الاقتصادي على غيرها وإنما لأنها رغبة اجتماعية عامة. هم يرون أن الحرص على التملك -مع تحمل الضغوط الحياتية الناتجة عنه- ليس إلا نتيجة للمقارنات والتأثر برغبات الآخرين؛ في ظل الظروف الراهنة لا يعد التملك أفضل الخيارات. بالتأكيد، يختلف الوضع من حالة إلى حالة، التي يجب أن تتم دراستها على حدة والنظر فيها بعناية.

الحل؟ …قرار ذكي ومستقل 

يعتمد قرار التملك أو الاستئجار على كثير من المعطيات، وهو طبعا لا يقتصر على المعروف أو السائد، بل يجب أن يكون اختيارا ذكيا لقرار مستقل يعتبر لخصوصية كل أسرة. يقع على عاتق الجهات المسؤولة تحسين خيارات السكن للمواطنين بأسرع ما يمكن -كما ينتظر الجميع- وبذل المزيد من حلول توعية الأفراد والأسر بطريقة التعاطي مع هذه الخيارات بلا تضييع للفرص ولا هدر للموارد.

الدور الآخر يقع على عاتق الأسرة والقائمين عليها، الذين يتطلب منهم أن يتنبهوا جيدا لخياراتهم ولا يتأثروا بعرف بائد أو صيحة عصرية هشة، بل عليهم أن يحتاطوا بالأسباب المنطقية المدروسة -حتى لو اضطروا للاستعانة بالمتخصصين- فتأثير هذا النوع من القرارات يمتد لسنوات طويلة.

ولربما، تفاؤلا، يتحول الاختيار في الأيام القادمة من ”تملك صعب أم استئجار دائم؟” إلى ”تملك سهل واستثمار متاح”.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 25 نوفمبر 2013

نبذة

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: