ريادة الأعمال وحملة التصحيح

يتعايش العامل المخالف مع واقعنا الاقتصادي بصفته مُستهلِكاً ومُنتِجاً ومنافساً. هذه هي الحقيقة المؤثرة التي يتم تغييرها حاليا بواسطة حملة التصحيح.

يتهم بعضهم حملة التصحيح بأنها تغيير جذري ذو تكلفة عظيمة سيؤدي إلى تدمير النظم التجارية والخدمية التي يعتمد عليها المجتمع. في حين تذكر الأغلبية بكل ثقة أن التصحيح خطوة منتظرة تستحق بذل كل التضحيات والتكاليف، فعوائده بكل بساطة، لا تُحصى. إذا نظرنا إلى بيئة ريادة الأعمال وعناصرها المتعلقة بالوعي والحاجات واستغلال الفرص، سنجد أن الحاجة ماسة إلى تقدير أثر حملة التصحيح على كل هذه العناصر. هل ستصنع حملة التصحيح المزيد من التحديات لريادي الأعمال أم المزيد من الفرص؟ لا ننسى أن اليد العاملة كانت وما زالت وستظل أحد أهم التحديات الموجودة في بيئة ريادة الأعمال.

مخالف النظام في ثلاثة صور مؤثرة

يتمحور وجود مخالف نظام الإقامة بالنسبة إلى بيئة ريادة الأعمال حول ثلاثة أشكال. أولا، هو مستهلك مباشر ــــ أو غير مباشر ـــــ للمنتجات والخدمات. ثانيا، العامل المخالف عنصر إنتاج معتبر وأساسي في كثير من المجالات كالبناء والتشييد، وأخيرا هو منافس مباشر في مجالات عدة معروفة من أهمها التجزئة والخدمات المهنية اليدوية. قد تُضاعِف أو تقلل حملة التصحيح من وجود هذه الأدوار المختلفة التي يحوز كل منها تأثيراته الخاصة به على ريادة الأعمال. على سبيل المثال، غياب المخالف المستهلك للمنتجات والخدمات يؤثر بشدة على بعض الأنشطة. تأثر سوق بطاقات الاتصال المدفوع مثلا يعني تأثر الخدمات المتعلقة بها كإكسسوارات الهواتف المتنقلة وخدمات الصيانة. كذلك يقوم هؤلاء بالتأثير على المنتجات والخدمات التي تحظى بالدعم الحكومي، وغياب استغلالهم لها يعني ارتفاع مباشر في كفاءة الدعم.

لمعرفة علاقة حملة التصحيح ببيئة ريادة الأعمال يجب أن نقيّم عملية التصحيح أولا ثم نقيّم تأثيرها على كل فئة من فئات المخالفين ”المُستهلِكة، المُنتجة والمُنافِسة”. يتطلب تقييم عملية التصحيح وجود إحصاءات دورية مباشرة من الجهات التي تقوم به وفهم جيد للتنظيمات الجديدة ذات العلاقة، وهذا مطلب مهم للعديد من المهتمين، وبه تتضح معالم الكثير من الفرص المقبلة في عالم ريادة الأعمال. إضافة إلى ذلك، بات من الواضح أن عملية التصحيح لن تجعل عدد العمالة المخالفة أقل بالترحيل فقط، ولكنها ستقلل من أعداد العمالة المخالفة بتحويلها إلى عمالة نظامية. أي أنه قد يكون من الصعب وصف التغيير بأنه تقليص في القوى العمالية المستهلكة والمنتجة والمنافسة، وإنما هو على الأرجح تغيير في ديناميكية سوق العمل ومرونتها ـــ النظامية وغير النظامية ـــ في تنقل العمالة وتخصيصها واستقرارها. لهذا النوع من التغيير تأثير معتبر، ولكنه سيكون أقل من التغيير الذي يكون بالتقليل المباشر لأعداد العمالة الموجودة في سوق العمل. وهذا أمر لن يتضح إلا بعد خروج نتائج التصحيح والترحيل بالأرقام والنسب.

إغلاق بعض المحال التجارية لا يمثل النتيجة الوحيدة لعملية التصحيح، وإنما هو مجرد مثال لما قد يحصل فعليا في بيئة العمل التجاري. من المتوقع أن يحدث اختلال مباشر في نسيج وترابط الكثير من المجتمعات والفئات المخالفة التي تقوم عليها أعمال ومهن محددة، ما يعني اختفاء وظهور خدمات مختلفة كان المستهلك معتادا عليها بطريقة معينة، مثل الصيانة المنزلية والتدريس الخصوصي وبيع التجزئة، إضافة إلى تعثر المزيد من المشاريع الكبرى. وهذا يعني كساد بعض الخدمات الداعمة للمشاريع وإعادة تشكيل مقاولات الباطن وتغير التوزيع السكاني في الأحياء العشوائية. سيتأثر المواطن والمقيم النظامي بكل هذا، وإضافة إلى الفوضى السعرية التي قد تنتج مؤقتا سيضطر المستهلك للتنبه إلى مصاريفه المالية، حيث تنكشف له بعض عاداته الاستهلاكية. وهذا يمنحه فرصة إعادة التفكير في قيمة الخدمات والمنتجات التي يريد الحصول عليها خصوصا عند مقارنتها بالخدمات متدنية الجودة التي اعتاد أن يحصل عليها في السابق.

تعديلات على المعادلة الربحية

تغيّر التركيبة العمّالية وتأثر أدوارها الاستهلاكية والإنتاجية والتنافسية سيصنع تعديلات جذرية على المعادلات الربحية للعديد من الأنشطة. وهذا يعني تنشيط مباشر للأدوار الإدارية المتعلقة بالكفاءة، أي أن هناك من سيبحث عن تعظيم الربح أو توفير المصاريف، وهذا سلوك إيجابي بلا شك يرفع من الوعي ويحسن من كفاءة وفاعلية الاقتصاد الوطني، ولكنه يتحول إلى استغلال جشع إذا غابت الرقابة. لهذا ينبغى على وزارة التجارة أن تواكب حملة التصحيح بتكثيف الرقابة وزيادة وعي المستهلك حول مَوَاطِن القيمة الاقتصادية، وتلفت انتباهه للحلول التي يعوض بها ما تأثر من الخدمات المتاحة، هي فرصة لا تعوض لرفع معدل الثقافة المالية والشرائية ولتحسين معطيات الاقتصاد الوطني على المدى القصير والطويل. وبما أن مهلة التصحيح انتهت والحملة الآن في مرحلة الرقابة والتفتيش، يفترض أن وزارة التجارة قد أعدت العدة لما بعد ”المهلة” ولديها ما هو على وشك الإطلاق من برامج.

التغيير فرصة..لمن يستغله

تمثل حملة التصحيح فرصة قوية مرشحة لإحداث تغيير ديناميكي واسع في التركيبة العمالية، وقد تساعد على تحسين كفاءة العديد من الأنشطة الاقتصادية، وهناك كذلك تأثر محتمل للعادات الاستهلاكية والمفاهيم الشرائية المتداولة. هذا النوع من التغيير يمثل أحد أهم الفرص التي تصنع ريادي الأعمال وتسمح للمشاريع الريادية باستثمار الواقع لصنع النمو المفاجئ والسريع. يأتي الدور هنا على طرفين: ريادي الأعمال الذي يتمكن من الرؤية وسط هذه التعقيدات ويتحفز تلقائيا لاستغلال الفرص، وبرامج الدعم التي تحوز المرونة الكافية والاستجابة الملائمة لمواكبة احتياجات هذا الريادي.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 15 نوفمبر 2013

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: