دعم ثقافة الإبداع والابتكار

قد يخيل إلينا أن دعم ثقافة وممارسات الابتكار مسألة ذات أولوية وضرورة قصوى. نحن نفرح كثيرا بأخبار المخترع الذي يُكرم في مكان ما، ونحزن لإحباط شاب أو جهة تخلت عن دعم ابتكاره. ولكن، هل يتطلب بناء بيئة الإبداع والمواهب دعم الابتكار بالطريقة التي تقوم بها بعض الجهات أو يحصل بجهودها وخططها الحالية؟ هل المزيد من المنتجات المبتكرة الأصيلة ممكن ومفيد؟

محاولة دفع الصغار للابتكار بالصورة التقليدية ”الجميع يجب أن يخترع!” لن تصنع التأثير المطلوب؛ لأن الابتكار بطبيعته يملك نسبة حدوث صغيرة جدا تكون دائما محاطة بنسب إحباط أكبر، وانتشاره بطبيعة الحال أصعب من حدوثه. بل قد تكون هذه المحاولات محبطة لأطفال كثر يعجزون عن الابتكار أو لفت الانتباه، كما يفعل من يبتكر. كذلك، يعتبر بذل الوقت والمال في دعم المشاريع الريادية القائمة على المنتجات المبتكرة من الهدر المجتمعي المادي والمعنوي، خصوصا إذا كان المستهلك يعاني الحصول على حاجاته الأساسية! هناك من يفرح بهذا الدعم، وهناك من يظن أن هذه الطريقة ستصنع الوظائف وتسد الفراغات في اقتصادنا. ولكن حتى لو تجاهلنا تدني الفاعلية في برامج الدعم لبرهة، يظل هذا النوع من المشاريع الريادية مكلفا جدا، وله نسب نجاح ضئيلة.

الفرق بين “ثقافة الإبداع والابتكار” و “المنتج المبتكر”

الحديث عن ثقافة الإبداع والابتكار لا يقتصر على الحديث عن منتجات الابتكار ”الصناعية مثلا”. ثقافة الابتكار هي في الأصل نمط تحرري يحول الخارج عن المألوف إلى قيمة للمجتمع ولها عدة مفاهيم مختلفة، منها ما يسمى: الابتكار الاجتماعي. هي ثقافة فضفاضة ومهمة يمكن إسقاطها على المجتمع أو المنظمة أو مجرد إطار أو طبقة مجتمعية محددة. بينما المنتج المبتكر هو تطبيق جديد ـــ قد يكون اختراعا محسوسا أو تقنية أو أسلوبا ـــ يستفاد منه ويجد طريقه للانتشار، وهذا الأخير يُستهدف من قبل المجتمعات الريادية ”وادي السيليكون مثلا” وبعض المنظمات الصناعية الكبرى. يكمن الخطأ في محاولة بناء بيئة الإبداع والمواهب مع قصر الجهود على المنتجات المبتكرة وزيادة أعداد المخترعين والتنافس على جمع المزيد من طلبات براءة الاختراع، ناهيك عن أن هذه الدورة لا تكتمل إلا باستغلال هذه الاختراعات اقتصاديا، وهذا مما يتطلب بنية سوقية متقدمة غير موجودة لدينا حاليا.

فوائد الابتكار كثقافة

نعم، تعد المنتجات المبتكرة من ثمار ثقافة الابتكار التي تحرر العديد من العوائق الموجودة في طريق المخترع المبدع والمؤسسة الإبداعية. ولكن لهذه الثقافة فوائد أخرى كذلك، فهي تولد الثقة بأفراد المجتمع، وتفجر الإمكانات في سن مبكرة، وتعزز من استقلالية الفرد، وفي الوقت نفسه تمنحه العديد من الحوافز لتعزيز ارتباطه وارتباط إنتاجه بمجتمعه المحيط. ولهذه الأسباب تُشجِع العديد من المجتمعات والدول ثقافة الإبداع والابتكار في المنزل والمدرسة وأماكن العمل. ولكن، دعم ثقافة الابتكار لا يبدأ بصنع جيش من المخترعين، ولا يعني أبدا دفع كل الحوافز والإمكانات لمن يبتكر فقط. كلا، دعم الاختراعات والمنتجات المبتكرة مجرد طريق من الطرق التي يكون المجتمع ـــ أو بعض من يمثل المجتمع ـــ مضطرا لسلوكها في بعض الأحايين. ثقافة الابتكار أشمل بكثير، حيث تمنح العديد من الامتيازات الأخرى، امتيازات اجتماعية خلاّقة لا غنى عنها لكل من يمر بمرحلة التغيير.

نبتكر أو نموت؟

تبعت الثورة الصناعية في الغرب ثورة استهلاكية احتدم فيها التنافس حتى أصبحت بعدها السوق متشبعة ومتخمة بالمنتجات والعارضين. فبات الصناع ومقدمو الخدمات في مواجهة صعبة مع البقاء لأن ما يُنتَج لا يقدم أي قيمة حقيقية ولا يلقى رواجاً. هناك دائما منافس شرس لا يرحم، وهناك دائما مستهلك ذكي يبحث عن الأفضل. إما أن يتحول الصناع ومقدمو الخدمات إلى موظفين حكوميين ـــ وهذا ما لا تسمح به الحكومات ـــ أو يبتكروا شعارهم ”نبتكر أو نموت”. دائما تكون الابتكارات في طريق الموت، رحلتها شاقة عالية المخاطر وذات نسب نجاح متدنية، ولكن فقط في مواجهة الموت نضطر إلى الوقوف والمواجهة.

اليابان: تجارة الأقمشة قبل الإلكترونيات

حالة السوق المتخمة والمتشبعة هذه ليست موجودة في كل الدول والمجتمعات، بل على العكس تماما، كانت وما زالت الكثير من الأسواق متعطشة للمنتجات المنقولة والمقلدة وليست المبتكرة، هي جديدة ومبتكرة بالنسبة إلى المستهلك على كل حال. أقرب الأمثلة ما يحدث في كوريا أخيرا وقبلها في اليابان، لم تصل اليابان إلى ما وصلت إليه من مستوى مؤثر وقوي على الساحة الصناعية العالمية فنيا ومعرفيا إلا بعد ما قرر مسؤولوها تطبيق خطة اللحاق بالغرب بدعم الصناعات التقليدية ـــ كصناعة الحرير والأقمشة ـــ ثم تأسيس البنى التحتية ونماذج المشاركة المجتمعية الإنتاجية التي نجحت في تأسيس البيئة الداعمة للابتكار في مرحلة لاحقة.

الابتكار “لتدوير” العجلة 

المطلوب تحديدا هو الابتكار في دعم المشاريع التقليدية، لرفع جودتها وتحسين انتشارها ووجودها. المطلوب هو دعم عناصر ثقافة الإبداع والابتكار من تواصل وإرشاد واستقلالية وثقة لنقدر على تدوير العجلة التي ابتكرها الآخرون. للابتكار الاجتماعي صور متعددة، لنا أن نختار منها ما يناسبنا ”مثل ابتكار نماذج الأعمال وطرق التعلم وأنظمة المشاركة الاجتماعية وأساليب تمرير الدعم الذكي للأسر المنتجة وغيرها”، ولكن ثقافة ”اختراع” محبطة وغير منتجة ليست ما نحتاج بكل تأكيد. ثقافة الابتكار الحقيقية تسمح بوصول رغيف أفضل بطريقة أقل تكلفة لمن يحتاج، تسمح بتعجيل دورة المعرفة الملائمة لنا وترفع من مستوى الإنتاجية والاهتمام، ولكن إيداع المزيد من طلبات براءة الاختراع في غياب بقية العناصر هو مجرد تطور كمي لا قيمة له.

 

*2013 نشر بالاقتصادية بتاريخ 1 نوفمبر

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with: ,
أرسلت فى إدارة وتحفيز, اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬817 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: