الوظائف الحكومية والاستقرار الحقيقي

الوظائف الحكومية…مازالت جذابة! 

يبحث بعض الشباب عن الوظائف الحكومية أملاً في الاستقرار والأمان الوظيفي. وعلى الرغم من أن وظائف القطاع الخاص تحظى بالمزيد من عوامل الجذب إلا أن سعي الجهات الحكومية لاستيعاب أعداد أكبر من الوظائف مساهمةً في حل مشكلات البطالة يساهم في زيادة الباحثين عن الوظائف الحكومية الدائمة والمؤقتة. إذا حاولنا تفكيك العزلة المهنية الموجودة في سوق العمل بين القطاعين الحكومي والخاص، سنجد أن الوظائف الحكومية هي التي تخلو من عوامل الاستقرار والأمان الوظيفي. على سبيل المثال، تقل الحوافز المهنية التي تدعو إلى التطوير الوظيفي في القطاع الحكومي وتتدنى كذلك الثقافة المؤسسية الإيجابية في هذه القطاعات مما يحد من فرص تطورها ومن قدرتها على استقطاب واستبقاء الموارد البشرية المميزة.

تعود بعض هذه الحقائق لجمود النظام الذي يدير العديد من هذه المتغيرات بأسلوب عفى عليه الزمن. لذا واستجابةً للحاجات الملحة تقوم الجهات الحكومية بإيجاد حلول سريعة كالتوظيف المؤقت أو الاعتماد على مشاريع الباطن. وهذا يقوض كل ملامح الاستقرار الوظيفي ويجعل المؤسسة الحكومية الدائمة مجرد مظلة مهترئة تجمع تحتها مؤسسات أخرى تصنع القيمة الظاهرة أمامنا ولكنها لا تظهر على السطح، والأهم، لا يربطها بالموظف أي علاقة حقيقية.

 

ماهو الاستقرار الوظيفي؟

قد نفسر الاستقرار الوظيفي بأنه الحصول على وظيفة دائمة يصعب فصل الموظف منها. ولكن الصورة الحقيقية للاستقرار الوظيفي تكمن في ”القدرة” على التنقل بين جهات ووظائف معتبرة دون أي استغلال للنظام أو العلاقات، وهذا لا يتحقق إلا بالمنافسة الشخصية في سوق العمل الحقيقي. أما المحافظة على وظيفة متواضعة باستغلال ضعف النظام الذي يعجز عن استقطاب المؤهل واستبعاد غير المؤهل لا يسمى استقرارا وظيفيا، لأن كل ملامح هذا الاستقرار قد تتلاشى في ليلة واحدة إذا تمت إعادة ترتيب صلاحيات الفصل والتوظيف.

مع الضغوط الاقتصادية المتزايدة ولأن الواقع يبرهن عادة بأن الحلول المؤقتة لا تستأصل المشكلات من جذورها، يجب أن يتوقع الموظفون تغييراً في صلاحيات الفصل وساعات الدوام إضافة إلى تقلص في أعداد الوظائف الحكومية – وهذا ما يحدث اليوم على مستوى العالم – وهو قادم إلينا بلا شك، في مقابل استيعاب القطاع الخاص لمزيد من الوظائف الجيدة، حيث تشتد المنافسة الوظيفية بين المنتمين له. لن يستمر الصرف الحكومي على وظائف لا تصنع القيمة للأبد ولا بد من تحويله إلى قنوات أكثر استحقاقا وأفضل تحويلا للقيمة. ما الذي سيحدث إذن؟ ستشتد المنافسة وقد يرى الشاب نفسه بين خياري البقاء بخوف في وظيفة حكومية ظاهرها مستقر ومريح وباطنها مؤقت وخطير، وبين شجاعة الخروج والانتقال إلى تحديات القطاع الخاص وبذل الجهد الحقيقي في إثبات الذات والشعور بقيمة العطاء.

 

الاستقرار الحقيقي؟!

في كل الأحوال وبعيدا عن هذه الاختيارات يجب على الشاب الذي يعمل في الوظائف الحكومية الاحتياط بالأسلوب الأذكى الذي يقتصر على تعزيز باقة المهارات والمؤهلات التي يملكها، فهذه الباقة هي صمام الأمان والمخرج الوحيد له من المخاطرة التي وضع نفسه فيها أو وضعته الظروف فيها. لا ننس أن غالبية الشباب أجبروا أو قلّت أمامهم الخيارات مما اضطرهم إلى سلك هذا الطريق أو ذاك.

 

مهارات تحقق الاستقرار – المستوى الأول “شخصية”

قد تُقسّم باقة المهارات والمؤهلات التي يجب أن يملكها الشاب للوقاية من هذه المخاطر إلى ثلاثة مستويات. المستوى الأول يمثل أساسا راسخا من المهارات الشخصية المهمة التي ينميها الشاب بالممارسة والتعلم من بيئة العمل وخارج بيئة العمل – كالتطوع مثلا – تبدأ بمهارات التواصل بأنواعها كالعرض والكتابة وتشمل اللغات ومهارات القيادة والمهارات الفنية. ويضاف إليها كذلك المهارات الشخصية العصرية كالحضور الاجتماعي الإيجابي ومهارات التواصل ”الشبكية” مع الآخرين وفنون الاستثمار ”الأخلاقي” للعلاقات، فهذا ما تلمّح بتأثيره الأيام القادمة وتُفتح به أبواب الفرص والخيارات.

 

مهارات تحقق الاستقرار – المستوى الثاتي “تخصص وتعدد التخصص”

المستوى الثاني من هذه الباقة يشمل التركيز على التخصص مع تعدد الإمكانات في الوقت نفسه. تتشعب فرص التخصص اليوم إلى الدرجة التي قد ينفرد فيها الشخص بتخصصه الدقيق، حيث لا يشابهه أحد على الإطلاق. التمكن من تخصص واحد مع تجاهل المعارف الأخرى يضعف من قيمة المتخصص نفسه، فإدراكه لما يحدث حوله ووجود ترسانة معرفية متنوعة مطلب وميزة معتبرة في كل مهمة عمل.

 

مهارات تحقق الاستقرار – المستوى الثالث”مهنية”

المستوى الثالث من الباقة يتعلق بالانتماء المهني ”لجمعية مهنية محلية أو عالمية مثلا”، وقدرة الشخص على الاستفادة منه والحفاظ عليه. تجسيد هذا الانتماء يشير إلى العديد من السمات المهمة للشاب، منها جديته ورغبته في معرفة الحديث والمهم في مهنته مع استعداده للالتزام بمتطلباتها. وقد يجلس الشاب لاختبارات التأهيل المهنية – إن وجدت – حتى وإن لم تتطلبها الوظيفة الحكومية التي يعمل فيها، فهو استثمار للحاضر والمستقبل لا خسارة منه إطلاقا.

بقي أن أشير إلى أن الاهتمام بالتخصص يختلف قليلا عن الاهتمام بالمهنة، حيث يقتصر الأول على المعرفة وقد يتم التمكن منه بالأساليب الذاتية، بينما الاهتمام المهني يشمل الانتماء لمجتمع المهنة والمساهمة في تطويره والالتزام بمتطلباته وأخلاقياته. وهكذا، يعد الاحتفاظ بهذه الباقة المهارية والتأهيلية هو عامل الاستقرار الحقيقي والأهم في أي وظيفة.

*نشر بالاقتصادية 14 أكتوبر 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى إدارة وتحفيز, تطوير مهني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: