المستثمر المؤثر والتفاعل المعلوماتي

لا يقتصر الوعي المالي والمحاسبي عند المستثمر على قراءة وفهم التقارير المالية فقط، بل يتعدى ذلك إلى تحديد شكل هذه التقارير والتفاهم ـــ غير المباشر ــــ حول ما يجب أن تحتوي من بيانات ومعلومات. بعد قراءة التقارير المالية والتنبؤ المدروس بالأداء الاقتصادي يمتد الوعي كذلك ليشمل المشاركة الفاعلة في تشكيل الكثير من الممارسات المتعلقة بالإفصاح. تتعدد مصادر المعلومات بالنسبة للمستثمر ولكنها في الأصل لا تنتج من وسائل تواصلية ذات اتجاه واحد وإنما تعتمد على التفاعل بين منتج المعلومة وبين مستخدمها، حيث ترتفع جودتها بناء على تفاعلية المتلقي، عندما تزيد إيجابية التفاعل تزيد جودة المعلومات التي يتم تبادلها، والعكس صحيح.

ولكن، كيف يؤثر المستثمر في محتوى التقارير المالية بما تحتويه من قوائم وإيضاحات هي في الأساس من مهمة الإدارة فقط؟ الجواب يكون في قيام المستثمر بما يحق له ـــ ويجب عليه ـــ من تفاعل ومشاركة في تحديد ملامح المعايير المحاسبية على المستوى المحلي ـــ والعالمي كذلك ــــ إضافة إلى مطالبة الإدارة بالمزيد من الإفصاحات والشفافية. الضغط بورقة الوعي يعد أكثر الوسائل لباقةً وتأثيراً في حصد النتائج المعرفية على المدى السريع، ويؤدي كذلك إلى تحسُّن نوعي في المعلومات المعروضة وزيادة ملاءمتها لاحتياجات المستثمر. أكثر ما تستعد له وتحترمه إدارات الشركات هو المساهم الذي يملك المعرفة، بينما تتلاعب بالجاهل كيفما تشاء.

من أساليب المشاركة في تحديد أسلوب عرض التقارير المالية، التي تتاح بكل بساطة للمستثمر العادي، المشاركة في استبانات العموم. تقدم هذه الاستبانات من قبل الهيئات المحاسبية وغيرها من الجهات للتعرف على آراء العموم ـــ والمهتمين ــــ حول نظام أو معيار جديد يوشك أن يخرج. والحقيقة تواجه هيئات المحاسبة، خصوصاً على المستوى المحلي، حالة عدم اهتمام من جمهور المستثمرين بقناة التواصل هذه، وهذا عائد بلا شك لأسباب ثقافية وتوعوية. ترابط المستثمر المعرفي مع أهل الخبرة من المؤهلين والمختصين والأكاديميين يحسن من فرص هذا التفاعل، فالأكاديمي الذي يشارك هيئة تعديل المعايير مثلا لن يُقدّم ما ينفع إذا لم يكن تواصله مع العموم يساعده على إدراك احتياجاتهم والمتغيرات من حولهم. وهنا تأتي فاعلية حلقات التواصل الأخرى، سواء على مستوى البحث العلمي أو الجمعيات المهنية والمشاركات المجتمعية الأخرى.

لا يقتصر التفاعل الإيجابي على تحديد شكل معايير الإفصاح الجديدة أو تعديلها فقط وإنما هناك إفصاحات اختيارية تنص عليها هذه المعايير. تُستخدم الإفصاحات الاختيارية بناءً على الاحتياجات المؤقتة والطارئة التي تحتاج إلى مطالبة المستثمر العلنية وحضوره الدائم. يجب أن تُستغل الجمعيات العامة للمطالبات الصريحة بمستوى محدد من الشفافية كالمطالبة بعرض مؤشرات مالية معينة أو بيانات متعلقة بعمليات مبهمة. من الأمثلة على ذلك من يطالب مثلا بتوضيح مقدار العمولات المتوافقة مع الشريعة وفصلها دورياً عن إجمالي مبلغ العمولات. مجرد النداء خلال جلسة الجمعية العامة لا يكفي، فلا بد من المتابعة مع أمانة المجلس والتقارير الصادرة عن الشركة وتقييم أداء الإدارة بناءً على حسن تفاعلها مع هذه المطالبات. عندما تقوم الإدارة بالتجاهل وإخفاء المعلومات فإنها عملياً تقوم بتواصل شبه مباشر يحمل الكثير من الدلالات.

من الوسائل الأخرى التي يستطيع أن يؤثر بها المستثمر في شفافية السوق تفاعله مع منظم السوق والمتابعة والتعليق على أنشطته وإصداراته خصوصا تلك التي تتناول قضايا الحوكمة والشفافية والإفصاح. مجرد شعور المنظم ــــ أي هيئة سوق المال محلياً ــــ بوجود فئة من المستثمرين تعي ما يتم تداوله من أنظمة وتشريعات يشكل عامل ضغط إيجابي يغير أسلوب ونتائج التفاعل مع المساهمين وبقية الأطراف.

أكبر مشكلة تواجه من يقوم على إدارة محتوى التقارير المالية هو عدم وجود من يقرأها أو يتفاعل معها بالشكل المطلوب، وهذا يُعد من أقوى مثبطات الحوكمة بل ويحفز إدارة الشركة على التجرؤ في إخفاء المعلومات وإدارة الأرباح بما يخدم أشخاصهم وليس ما اؤتمنوا عليه من مهام. تذكر الدراسات المحاسبية بأن من أسباب تدني جودة الإفصاح المالي تدني وعي المستثمرين أنفسهم، فهم لا يطالبون بحقوقهم ولا يشكلون عامل ضغط وتوازن مع الأطراف الأخرى سواءً إدارات الشركات أو منظمي السوق ومُصدري الأنظمة والمعايير.

في الحالة المحلية اليافعة أتمنى وجود تجمع مستقل للمستثمرين، خصوصاً لمن لا يملك منهم اللوبي الخاص به ككبار المستثمرين. يتعدد هذا التجمع في أنشطته ويجمع كلمته أمام الأطراف الأخرى، يتمم العملية التواصلية بين منتجي ومستخدمي المعلومات ويعوض النقص المعرفي المتخصص بالتكامل بين أعضائه. وهذا ليس من مصلحة المستثمر فقط بل ضرورة لصحة السوق والاقتصاد المحلي، لأن كل الأنظمة المستوردة أساساً والتي يتم إدخالها بالتدرج والمواءمة تعتمد على وجود توازن في العلاقات بين أطراف السوق بمن فيهم الحكومة ومنظم السوق وإدارات الشركات ومراجعي الحسابات والممولين وبلا شك: المستثمرون. سقوط الطرف الأخير أو ضعفه معرفياً يُفقد السوق توازنها ويجعل كل القرارات والتنظيمات تتجه لمصالح شخصية أو اعتبارات غير عادلة تتعارض مع أهداف حوكمة الشركات، وقد تكون غير أخلاقية كذلك.

 

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 7 أكتوبر 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة للمحاسبين, محاسبة ومالية, اقتصاديات وطن

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: