العطاء الموازي .. هدية للوطن

تتجلى الهدايا في الأعياد والمناسبات، بها تُعزز المحبة وتُجدَد ملامح الود وطرق الحب. ومن أكثر الهدايا موضوعية العطاء الذي يأتي طوعاً واختياراً ويكون محل حاجة المُهدى إليه، ومن أعظمها ما يكون للوطن. اليوم الوطني ليس مجرد مناسبة تتذكر فيها الشعوب تاريخاً مضى أو أفراحاً جمع فيها الإنسان نفسه، بل هي كذلك ساحة زمنية لتبادل هدايا العطاء والبذل وسَلك الجديد من العادات الحسنة والإيجابية، للوطن ولكل من يعيش على أرض الوطن. من هذا العطاء الذي يأتي طوعاً بلا ضغوط ما يمكن اختياره بحرية، ويطلق عليه: العطاء الموازي.

يتميز العطاء الموازي بأنه يُعظّم الفائدة ولا يتأثر بالبيروقراطية وتأثيره يمتد إلى كل المجتمع، بل لأجيال عدة، حتى لو أُدّي من قِبَل أفرادٍ لأفراد. وهو أيضا من استغلال الكامن واستثمار الموجود، حيث يقلل الهدر ويفعّل الإمكانات وله فوائد جانبية أخرى عديدة. ألا يستحق مثل هذا أن يكون هدية دائمة للوطن وأفراده؟! خصوصاً أنه قابلٌ للتعود، ونمطيته تُنعش ولا تضر، ومنافعه مزدوجة للمُعطِي والمُعطَى له.

المقصود بالعطاء الموازي كل ما يدخل في معاني العطاء ويعمل بالتوازي مع الصورة التقليدية له. وأبسط صورة، أن يعطي الموظف خبرته العملية خارج وقت الدوام بصورة ودية لغيره. تختلف صور العطاء الموازي المتعددة باختلاف طبيعة العطاء الذي يقوم به الفرد في حياته الاعتيادية. فهناك من يَدرس ويُدرّس أو يعمل ويُدرّب أو يدير مشاريع أعماله ويساعد على تنفيذ مشاريع الحي. ومن أفضل أشكاله، ما خرج من ورشة العمل والحياة وتوجه إلى الشباب مباشرة .. لماذا؟ لأن الشباب هم حلقة وصل المستقبل و”رمانة” الحاضر التي تدور حولها كل التحديات والفرص، وتمكينهم أكبر خدمة وأجمل هدية تُقدم للوطن.

هناك العديد من الأمثلة الحاضرة لرجال وسيدات من واقعنا اليومي يمارسون العطاء الموازي باقتدار، وأثر ذلك واضح ومحل تقدير وامتنان كل من يستفيد منه. بعض التنفيذيين مثلا يستغل شبكة ”تويتر” لعقد لقاءات مع الشباب للاستفادة من تجربته الإدارية ويقابل بصفة مستمرة مجموعات مختلفة منهم ليحصلوا على التحفيز والإجابات. وهناك من يستثمر خبرته المهنية عن طريق المجموعات التطوعية متيحاً إمكانية التواصل معه للاستشارات المتخصصة بلا مقابل. تدخل الأعمال التطوعية والخيرية التي يقوم بها الكثيرون ضمن العطاء الموازي، لكن هذا العطاء يتميز نوعيا في الطريقة والتأثير، يستثمر في المعرفة والخبرة الشخصية ويتاح بطريقة نمطية مؤثرة.

لا يتطلب العطاء الموازي اقتراب هذا الشخص المعطاء من سن التقاعد – على الرغم من أن العطاء الموازي يتجلى عند هذه المرحلة تحديداً – ولا يشترط تراكم سنوات الخبرة المتينة والنادرة، بل قد يقوم به كل شاب مهني متخصص يملك المعرفة والرغبة في خدمة من حوله. إن خوض الشباب أنفسهم للعطاء الموازي يمثل صورة من العمل الاجتماعي المبكر الذي نحتاج إليه بشدة. يستطيع الشاب الجامعي في أولى سنواته الجامعية أن يعطي بالتوازي مع عطائه الدراسي، وكذلك المهني الجديد وريادي المشاريع النشء.

كل من ينتج في عمله ويحوز قدرا معتبرا من المهارات والمعارف الفنية والحياتية المختلفة مطالبٌ بالعطاء الموازي. فهؤلاء يشكلون العُقد التي تجتمع عندها التجارب والقصص، ومنها يخرج المفيد والثمين لمن هو في حاجة إلى المعرفة الضرورية والملائمة، بل قد يكون الاحتفاظ بالمعرفة لمن في مثل هذه المواقع جناية على المجتمع وأفراده. وهذا من التحديات الذاتية العديدة التي يواجهها العطاء الموازي، سواءً كان أسلوبه الإرشاد أو الممارسة المباشرة أو مجرد حديثٍ ودي عابر، وهي بكل تأكيد تحديات قابلة للتجاوز.

أول التحديات التي يواجهها من يريد القيام بالعطاء الموازي هي محاربة النفس ضد النفس لأجل البذل للغير. قد يظن أحدهم أن التعب والجَلَد في حصد النتائج جهد شخصي محض وليس من الضروري تبذير ثماره على الآخرين. وهذا مما يعاكس المنطق، فكل فرد مدين لمجتمعه يأخذ منه الكثير ولا بد أن يُعيد ما أخذ طوعاً بالطريقة التي تلائمه أو اضطراراً بطريقة لا يريدها. من التحديات أيضاً ما يعود لمهارات الفرد في إدارة شؤون حياته، كإدارة الوقت مثلا. هناك من يحجم عن عملٍ اجتماعي لأنه في ظنه يبعده عن واجباته الأسرية، ولأن ساعات اليومِ محدودة، فالأفضل – في نظره – توزيعها على المهم والضروري وتجاهل كل آخر. وهذا منطقي للوهلة الأولى، لكن المشكلة أن توزيع الأوليات عنده يخضع للعادات والتقاليد، وليس للأولويات الحقيقية.

لتصحيح الأمور لا بد من العودة للأهداف الحياتية ومراجعتها ومن ثم تدعيم اليوميات بالمهارات اللازمة من إدارة الوقت وفاعلية التواصل والصفاء والاحترام ولوازم العطاء الأخرى. هناك من يهمل ود أسرته ليقدم لهم حضوره القاسي أو من يمتنع عن عملٍ جليل لأجل مجلسٍ يوميٍ مكرر، بينما آخرون تمتلئ حياتهم عطاءً وبهجة في حلقة وصل تبدأ من خلاصات تجاربهم إلى عزائم الآخرين. الحد الأدنى الإلزامي من الإنتاجية والعطاء يكفي لضمان استمرار الحركة، لكن ما يضيف القيمة – كالعطاء الموازي – هو ما يسمح للأوطان أن تقفز وتسبق نفسها وغيرها، وهذا لا يصير إلا بجهود الأفراد وهداياهم التي ينتشر أثرها في فضاء الوطن وأيامه.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 26 -9- 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى إدارة وتحفيز, تنمية ومجتمع, تطوير مهني

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: