مشكلة التمويل .. مع مَن نتحدث؟

عندما نتحدث عن مصادر تمويل المشاريع الصغيرة والمشاريع الناشئة يجب أن نفرق بين الحديث الموجه إلى الشباب ومؤسسي المشاريع وبين الحديث الموجه إلى المسؤولين والمنظمين .. لماذا؟ لأن من يعمل على مشروعه الخاص يبحث عن أفضل طريقة ممكنة لتمويل حاجته الراهنة، أي يريد حلاً مباشراً يلائم مشكلته. لكن ما يجب أن ينال اهتمام المسؤول هو فاعلية وتنوع ومرونة باقة الخيارات التمويلية المتاحة لجميع هذه الحالات الفردية بكل أطيافها واحتياجاتها. ومن الطبيعي كذلك أن يحرص المسؤول على موافقة كل هذه الحلول للسياسة الاقتصادية الراهنة.

لا تهم الشاب المؤسس مصادر التمويل المتاحة – حكومية كانت أو أهلية – بقدر اهتمامه بوجود خيار تمويلي ملائم لوضعه وظروفه. يريد الشاب حلا تمويليا حقيقيا بتكلفة معقولة ومتطلبات مرنة دون أن يرهقه نفسياً وعاطفياً. بينما المسؤول الجيد، وعلى حسب موقعه، يهتم في الغالب باحتياجات أكثر من فئة، وهو مطالب بالحلول الشاملة وليس الموحدة.

من الصعب أن يُطرح حل حكومي تمويلي موحد لدعم جميع أنواع المشاريع، ومن المؤسف، أن تُطرح حلول طارئة لحاجات طارئة باستمرار، الأول مستحيل والثاني يثير الفوضى والارتباك. المطلوب هو وجود مصادر تمويل متنوعة تحوز الثقة وتصل فعلياً لمن يستحقها وتتسم بالاستقرار والتأثير. يعتمد تنوع مصادر التمويل المتاحة لرياديّ الأعمال وملاك المشاريع الصغيرة على نسبة المخاطر (قليلة، متوسطة) ومرحلة المشروع (تأسيس، دعم، نمو) وسياسة الدعم المحلية الحالية (تعزيز الابتكار، صنع الوظائف، تنويع مصادر الدخل) إضافةً إلى تقدير واعتبار ثقافة الأعمال المنتشرة مع محاولة تطويرها والتأثير فيها إن لزم الأمر.

يطالب الكثيرون بتعزيز الخيارات التمويلية لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة (وهذه مطالبة رائجة على المستوى العالمي). السبب هو أن التمويل يعمل كالوقود تماماً، بل إن تغيير كثافة ونوعية خيارات التمويل المتاحة كفيل بتغيير نمط الأعمال السائد في السوق، ولهذا تأثير قوي في الناتج المحلي والبطالة وغيره من المؤشرات الاقتصادية. وفي غياب الضرائب – كما هو الحال لدينا – يتضاعف تأثير ودور الحزم التمويلية. لكن التمويل لا يحل المشكلات دائماً، ووجوده – الفوضوي- لا يعطي النتائج المطلوبة بكل تأكيد. بل إن النتائج العكسية قد تزدهر في حالة الفوضى والارتباك؛ تبدأ من استفادة من ﻻ يستحق إلى فشل المستهدفين في تحقيق ما يطمحون إليه.

تقوم بعض الدول بتوضيح سياسات دعمها لريادة الأعمال والمشاريع الصغيرة بما في ذلك الهيكل المستهدف لمصادر تمويل المشاريع الصغيرة والناشئة. وتقوم إضافةً إلى ذلك بتصميم برامجها التمويلية بطرق تُقنن الاستفادة من التمويل وتوجهه إلى مصارفه المستحقة بما يتوافق مع الأهداف الاقتصادية. على سبيل المثال، أنعشت الحكومة الأسترالية أخيرا أحد صناديقها الاستثمارية المختصة بتأسيس شركات الابتكار بما يقارب 380 مليون دولار أسترالي. تشارك الحكومة في هذا الصندوق مع القطاع الخاص للاستثمار المتخصص في مشاريع مرتفعة المخاطر، ويصاحب رعاية الصندوق برنامج إعلامي متكامل مع منصة لتسويق الشركات الناجحة وجذب الاستثمارات الدولية لهذا القطاع.

تقوم دول أخرى بدعوة التجّار التقليديين وأصحاب الثروات إلى فعاليات متخصصة لتوطيد علاقاتهم مع أطراف مثل: الشباب، ورواد الأعمال، ومسؤولي دعم المشاريع. هذا النوع من العلاقات لا يعزز التواصل الهادف فقط، بل يسمح بتكوين قاعدة جديدة من المستثمرين الأفراد القادرين على إكمال الفراغات التمويلية وتحريك الفرص الكامنة التي لا تجد التمويل الملائم لها. بهذه الطرق يتنوع الهيكل التمويلي، ويضاف إلى الإقراض المباشر الاستثمار المبني على المشاركة في الأرباح. وهكذا تُصنع الخيارات المؤثرة، فالمستثمر حريص على أمواله وشجاع يتحمل مسؤولية قراراته، وهذا بكل تأكيد ما لا يتوافر في أي برنامج حكومي أو خاص يقوم على الإقراض.

إذا كنا نتحدث عن التمويل مع المستفيد الشاب، فإن هناك محورين للحديث. المحور الأول حول إدراكه حالته الشخصية وحالة مشروعه من جميع النواحي التسويقية والمالية والقانونية، ليتسنى له تحديد احتياجاته التمويلية. المحور الثاني حول السوق وما يتاح فيها “حالياً” من خيارات تمويلية جاهزة. النظر في الخيارات التمويلية قبل إكمال قصة المشروع يجعله في الطريق الخاطئ الذي لن يوصله إلى ما يريد أو سيهدر الكثير من وقته.

على من يبحث عن تمويل لمشروعه التأكد من صلاحية نموذج مشروعه وجدواه افتراضياً وواقعياً، سواء على الورق أو بالتجارب المصغرة. وأثناء ذلك وبعد أن يُلم بخطة التنفيذ و”التدرج” الخاصة به، يبحث عما يلائمها من تمويل. المقارنة بين خيارات التمويل المتاحة تقوم على إمكانية الحصول عليها، الالتزامات المتعلقة بها، إضافة إلى تكلفة التمويل ومقارنتها بنسبة العوائد المتوقعة للمشروع. وبما أن “أكل العنب حبة حبة”، فمن المهم أن يتوائم التدرج مع القدرات ويتفق مع السيولة الموجودة والممكن تحضيرها، ولو طالت المدة. المواءمة هنا مهمة جداً، لأن أي تعارض بين خطة التنفيذ ومقدار التمويل الموجود يُصعّب المهمة أو يُضيّع من الوقت ما يفسد جدوى المشروع الاقتصادية والعاطفية! هناك الكثير من القصص لشباب أمضوا السنتين والثلاث بحثاً عمن يمول مشاريعهم وبعدها اكتشفوا أن مشاريعهم قابلة للتمويل الذاتي أو يمكن البدء فيها بقدر أقل مما كانوا يبحثون عنه. من يبحث عن تمويل لمشروعه هو مُحارِب يعزز قدراته بالإمكانات المتاحة حوله، لكن محاربته في الجبهة الخاطئة ترهقه كثيراً وقد تكلفه ضياع الوقت والعزيمة.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 13 سبتمبر 2013

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى كيرفكري, محاسبة ومالية, اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, حسابات الريادة, ريادة أعمال
One comment on “مشكلة التمويل .. مع مَن نتحدث؟
  1. لا يوجد تمويل ولا حتى تحميل 🙂
    وتموت الأفكار من كثرة الأنتظار 😀

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • كيف تتفاعل أجسادنا مع الماء - ظاهرة مكتشفة حديثا وبعد حيوي آخر لا يعرف إلا بالغوص "الحر" تحت الماء.. twitter.com/tedtalks/statu… 19 hours ago
  • سبحان الله twitter.com/natgeo/status/… 1 day ago
  • يقول: لا تقارن نفسك بالآخرين! لا، قارن نفسك: بمثلك الأعلى وليصبح نجمك الهادي، وبأقرانك تقودهم وتساعدهم وبمنافسيك لتهزمهم وبنفسك لتسعد. 1 day ago
  • @ahmed_fin تحيز عاطفي بسبب المبالغة في احترام السلطة المعرفية، تأثيره الأكبر على من يفتقد بعض المهارات العلمية والعقلية. 2 days ago
  • RT @Olou: يسرنا حضوركم ورشة عمل "التخطيط المبكر لجذب الاستثمارات" الثلاثاء يقدمها مستشار الاستثمار @AAltamami بالتعاون مع @SaudiSMEA و@Riy3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: