التأهيل المهني والاحتراف .. فرص للجميع

سُئل بعد محاضرته من أحد الشباب بعفوية “وهو مدير عربي محترف في شركة أجنبية” كم راتبك؟! رد بصوت هادئ: “40 ألفا” وأكمل مبرراً: “وقعت شركتي عقدا محليا، وكان شرط التعاقد أن توكل المهمة لمدير محترف مؤهل في تخصصه ولهذا حضرت”. ألا يوجد سعوديون مثلك؟ “بلى، ولكنهم لا يتجاوزون أصابع اليد، السوق بحاجة إلى المئات بل الآلاف”. كان هذا اللقاء قبل 15 سنة تقريبا في محاضرة محترف مهني في جامعة محلية. القريب من سوق العمل يعرف أن حاجة السوق للمؤهلين المحترفين مهنياً ما زالت كبيرة جداً حتى اليوم، في كل مجال تقريباً. وطبعاً، معدلات الرواتب في الوقت الحاضر زادت عن ذلك الوقت بكثير!

يعتقد البعض أن الفرص الرائعة لا تتاح كثيراً أو تتاح لبعض المحظوظين فقط، ولكن مهنياً لا يكون الأمر كذلك. تتاح فرص التطوير المهني للجميع، لا تتطلب واسطة ولا تحتاج إلى أخذ الإذن من أحد؛ جُلّ ما تتطلبه هو الإيمان بها، ثم التحرك لها. وأقصد بهذه الفرص المتاحة شهادات وزمالات التأهيل المهني، خصوصاً تلك الاختيارية التي لا يُلزَم بها الفرد وإنما يسعى لها برغبته الشخصية المحضة. وحتى تتضح الصورة سأجيب هنا عن ثلاثة أسئلة: ما هي فرص التأهيل المهني الاختيارية؟ ولماذا يجب استغلالها؟ ومن يستطيع الاستفادة منها؟ استباقا للتفاصيل، أستذكر مقولة الروائي الأمريكي فرانك هيربرت: “إن أفضل ما يمكن أن تعطيه للبشرية، هو أن تطور نفسك”.

تتوافر فرص التأهيل المهني الاختيارية عبر برامج مستقلة ومعتمدة تكون متاحة للعامة في أغلب الأحيان بشروط موضوعية محددة. هي ليست درجات أكاديمية تقليدية ولا دورات تدريبية تستند إلى التلقين، وإنما إجراءات مقننة لإضافة القيمة المهنية؛ تتميز بتركيزها على عملية “التقييم” واحتوائها على محتوى فني محدد من المعايير والمواد التي يعتمد عليها هذا التقييم. قد تشمل هذه البرنامج مجمل ما تقوم عليه مهنة ما، وقد تتناول جانباً محدداً أو مجموعة من المهارات التي تحتاج إليها هذه المهنة. من يتمكن من الحصول على إحدى هذه الفرص فسيحوز ما يثبت – بشهادة أو عضوية – أنه قد تم تقييمه في مجال ما، وقد اجتاز متطلبات التقييم بنجاح. تتنوع هذه الفرص وتكاد تكون موجودة في كل مهنة ومجال من الطب إلى الهندسة ومن الملاحة والنقل وحتى المحاسبة والمحاماة. بل هي لا تغيب كذلك عن المجالات الحديثة والفنية، سواء لإخصائيّ إعلانات الإنترنت أو باحثي الخلايا الجذعية أو فنيي اللحام ومشغلي الإنتاج. وعلى حسب التخصص أو المجال، تتاح هذه الفرص لكل من يهتم ويرى نفسه في مهنة ما.

تُقدم هذه البرامج للمهني المؤهل فوائد متعددة تنعكس على حياته وعلى فرص تنمية منشأته التي يعمل بها. وتمتد هذه الفوائد لتصل إلى المجتمع، حتى إن انتشارها يعد شرطاً ومتطلباً أساسياً في تنمية الموارد البشرية والاقتصادية. تتميز برامج التأهيل المهني بأنها إفادة علنية محددة واضحة حول قدرات المستفيد منها، إذ تجمعه في وظيفته الحالية أو المستقبلية مع الخبراء والمؤهلين، ويستطيع بمساعدتها مضاعفة قفزاته المعرفية والوظيفية، وهذا بالتأكيد سيعود عليه بالنجاح الوظيفي والمالي. حيازة أحد المؤهلات المهنية المعتبرة في مجال التخصص تعطي علامة تميُّز واضحة في السيرة الذاتية كفيلة بترجيح الكفة عند المقارنة مع المتقدمين الآخرين في وظيفة ما، بل تعتبر أحياناً عاملاً مُرجحاً عند التفاوض للحصول على عرضٍ ماليٍ أفضل.

يرتبط من يستفيد من برامج التأهيل المهني بمجتمعات المهنيين والمتخصصين، حيث تمثل العلاقات مع هذه الفئات استثماراً شخصياً ومهنياً معتبرا، فهي تساعد على تحديث المعلومات الفنية باستمرار، إضافةً إلى أن العلاقات المتخصصة القوية تصنع العديد من الفوائد التي لا حصر لها. يقول أحد خبراء تطوير الموارد البشرية: “سيعترفون بقدراتك وستحصل على المزيد من المال، ستؤثر فيهم وتنفعهم وتطور من نفسك، ستصبح عضواً فاعلاً في مجتمعك”.

تختلف برامج التطوير المهني في تكلفتها، وفي مقدار الوقت الذي يتطلبه الاستعداد لها، وفي عمق تغطيتها للمحتوى الذي تختص به. منها ما يتاح لحاملي الدبلوم أو البكالوريوس أو الماجستير، ومنها ما لا يرتبط بأي مؤهلٍ أكاديمي محدد. هي دائماً متاحة لمن “يهتم بنفسه” ويبدأ فعلياً بالبحث عنها. وعملية البحث هذه أصبحت اليوم أسهل كثيرا بعد وجود الإنترنت، إضافةً إلى استشارة من هم أكثر خبرة، والتنبه إلى ما يُكتب خلف التواقيع والنُّبذ الشخصية من ارتباطات مهنية وخلافه.

على الرغم من كثرة فرص التطوير المتاحة، إلا أنها ليست سهلة وجاهزة دائماً. كل نتيجةٍ مميزة تحتاج إلى قدرٍ معتبرٍ من العمل والتعب، وهذا متوقع وطبيعي. يحتاج من يستعد لاختبارات التقييم إلى أن ينال دعم مَن حوله وقد يضطر إلى تغيير برنامجه اليومي، أما إذا أصر على التمسك بعاداته اليومية مثلاً فسينال من محتواها الكثير ويفقد بقية الفرص. تنمية المهارات الشخصية (كمهارات التواصل وغيرها من القدرات الفنية التي يتطلبها مجال العمل) مطلبٌ دائمٌ لكل مهنيٍّ ومحترف، يضاف إلى ذلك الحرص الذاتي على التأهيل الأفضل وشجاعة البحث والانتقال إلى البيئة التي تسمح بالعطاء ولا تمنعه.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 6 سبتمبر 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى كيرفكري, التحفيز الذاتي, تطوير مهني
One comment on “التأهيل المهني والاحتراف .. فرص للجميع
  1. jstfatima قال:

    بالفعل ان فرص التطوير والاحتراف المهني متاحة للجميع و تحتاج من يسعى عنها برغبة خاصة ولكن في الوقت ذاته يجب إيجاد بيئة تحفيزية وارشادية تبدأ من المرحلة الجامعية وحتى مرحلة المدرسة. للاسف ينقصنا في دول الخليج هذا الدور الفعال للجمعيات المهنية التي للأسف ان وجدت فهي موجودة بالاسم.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: