الأسرة الشابة والتنظيم المالي

تواجه الأسرة الشابة التحديات الاقتصادية بمسؤولية مشتركة ومصير مشترك. ليس الزوج وحده ولا الزوجة وحدها من يتجاوز هذه التحديات. يحصد جميع أفراد الأسرة نتائج النجاح- أو الفشل- ويقوم بأسباب النجاح هؤلاء الأفراد أنفسهم بالتعاون في الجهد والاشتراك في النتائج. حسن الإدارة وفاعلية التنظيم داخل الأسرة شرط أساسي لمواجهة التحديات. تمثل الأسرة الشابة فريق عمل بترابط خاص ومستمر. ومع تعقيدات الحياة، لم تعد مركزية الزوج كافية للنجاح. كل عضو في الفريق عامل مساندة وبناء، أو عامل هدم– عندما لا يتعاون ولا يهتم- لأهداف ومستقبل الأسرة.

تحديات اليوم الاقتصادية متنوعة ومواجهتها مرهقة، فهي تتطلب بذلا ماليا معتبرا في الأمور المعيشية اليومية، إضافة إلى التعاطي مع قضايا مهمة كالسكن والتعليم والترفيه. تبدأ الحلول من الاستثمار المبكر في التعليم والمعرفة والمهارات الحياتية المتنوعة، وتستمر بالممارسة والتطبيق الجيد لها. وبالتأكيد تتدخل عدة عناصر أخرى في مصير الأسرة الشابة اليوم، مثل الأنظمة والمتغيرات والثوابت والعادات، إضافة إلى تأثير بقية الأقارب والأصدقاء.

يكاد يكون التحدي الاقتصادي الأكبر للأسرة الشابة هو أن تربأ بنفسها عن الوقوع في الطبقة الفقيرة، بل حتى الوجود في الطبقة الوسطى يصبح اليوم من الخطر، وذلك لأنها تتقلص باستمرار، وترمي من يَقتنع بحدها الأدنى في دائرة الفقر عند أي أزمة. من تتركز جهوده على البقاء بالطبقة الوسطى سيصبح مُعرّضاً لفقدانها. لذا، ولتأمين المستقبل، يجب على كل أسرة شابة أن تسعى بطريقة مباشرة لأن ترفع من مستوى دخلها باستمرار، أو على الأقل، لتبقى في أعالي الطبقة الوسطى؛ أي طموح أقل من ذلك هو طموح متواضع يعرض مستقبل الأبناء للخطر. الطريق إلى هذه النهايات الجميلة والصعبة – في نظر البعض – ليس صعباً، كل ما يتطلبه هو إدارة مالية جيدة؛ أي زيادة مداخيل الزوج والزوجة مع حسن التخطيط والصرف والاستغلال.

بغض النظر عن تحديد الطبقات الاجتماعية والملامح الاقتصادية لها، إلا أنه من المناسب التنبه إلى أن التنقل بين هذه الطبقات يتاح بطريقة لم تكن معهودة في الماضي القريب؛ أي أن الفرد – المتعلم – يستطيع بالإرادة وبذل الجهد الانتقال إلى الطبقة الأعلى، بينما قد يسقط المتكاسل أو المهمل في الطبقة الأدنى خلال فترة قصيرة نسبيا. وهذا الواقع الواعد – والخطير في الوقت نفسه – عائد إلى انتشار التعليم والفرص وتأثيرهما في استقلالية وموضوعية المداخيل المالية. لذا من حق كل زوجين العمل على تعويض ما فاتهما وتحسين مصادر دخليهما بالتعلم، وبذل الجهد، وتنويع الأنشطة التي تضفي المزيد من القيمة لمستقبلهما.

حجر الأساس في الاستجابة لهذه التحديات الاقتصادية هو حسن الإدارة المالية. وهذا قائم على خطوات عدة تبدأ من تحديد الأهداف المالية وتقدير الوضع الحالي، ثم تنفيذ الخطة المناسبة، وتنتهي بالمراجعة والتعديل باستمرار، لكن لأن الأسرة الشابة تتكون من فريق عمل مصغر، يجب قبل القيام بهذه الخطوات المهمة الاتفاق على أمور عدة. أولها هو تأكيد النية المشتركة والأهداف الحياتية الكبرى التي تستحق البذل والتضحية، بعد تحديد هذه الأهداف الحياتية الكبرى يسهل تحديد الأهداف المالية المحققة لها. وثاني هذه الأمور هو الاتفاق على آلية التعاون وتوزيع المهام المالية بين أفراد الأسرة. الزوج هو المسؤول عن الإنفاق ومال الزوجة حق خاص لها، ولكن للزوجة المساهمة والمساعدة في مواجهة التحديات، وهذا ما يتطلب الاتفاق والتنسيق القائم على الوضوح والشفافية والمستند إلى الود والمصير المشترك.

تصبح فرصة رفع المستوى المالي للأسرة أكبر بعمل المرأة وارتفاع مقدار إنتاجها، وهذا ما يجعل أفراد الأسرة في وضع أكثر راحة، ويتيح لهم المزيد من فرص الترقي الاجتماعي والثقافي. وبالتأكيد مواجهة هذه التحديات ليست محصورة في عمل المرأة فقط. المرأة التي لا تعمل تحمل قدراً مماثلاً من المسؤولية، فهي تقوم بأدوار أكثر تركيزاً في المنزل، وهذا مجال التدبير والاقتصاد الأسري الحقيقي. في النهاية لا يمكن تحميل طرف واحد كل هذه المسؤوليات. في هذا العصر المادي، يحتاج الجميع إلى مقادير معتبرة من المال خلال مختلف المراحل. وهذا يعني من واجب كل الأطراف تحمل مسؤولية تحضير هذا المال والحفاظ عليه واستخدامه فيما يصلح ويفيد.

أكثر نصيحة تعجّ بها مقالات وكتب الخبراء الماليين هي: كتابة الأهداف وتحديد الخطة المالية المستقبلية، وهذا أمر مهم لا نقاش فيه، ومن يتجاهله يبحث عن الفوضى والعشوائية. يعتمد تحديد الأهداف والخطة المالية على إدراك الرسالة المشتركة بين الزوجين وعلى فهم الوضع المالي الحالي وفرص تطويره. الاهتمام الدوري المستمر (أسبوعياً، شهرياً، وسنوياً) واجتماعات المتابعة الأسرية مطلب أساسي لنجاح التنفيذ. من المهم كذلك تبادل الأدوار وممارسة عمليات الصرف الإلزامية من كلا الطرفين (كتسديد الفواتير) حتى يتعرفا جيداً على التجارب المؤثرة في الوضع المالي للأسرة.

تأكيد النيات والأهداف المشتركة وتوزيع المسؤوليات ومتابعتها وكثير من الأمور المهمة هنا تعتمد على التواصل. فاعلية التواصل داخل الأسرة شرط أساسي لتنفيذ أي مخطط مالي إيجابي. التناغم الأسري والبدء في تحقيق النتائج قائم على فهم وإدراك رغبات الطرف الآخر، وهذا الفهم هو نفسه الذي يولد الاحترام ويسمح لكل الأفكار الطموحة بأن تتحقق. في النهاية، التعامل الجدي والتخطيط المسبق– في الوقت المناسب- أفضل دائما من محاولة إصلاح الأمور بعد التهاون أمام التحديات الاقتصادية التي، بكل تأكيد، ستزيد قوة كل يوم.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 30 أغسطس 2013

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: