تكلفة التغيير .. مقلب طويل الأمد

هناك جزء مهم من تكلفة التغيير لا يظهر إلا من خلال الممارسة الفعلية له. يتزايد هذا النوع من التكلفة بطريقة متسارعة يصعب التخلص منها، ويقوم في حالات كثيرة بهدم وتدمير الجهد المبذول، ونسف كل ما تم التخطيط له وممارسته على مدى أشهر وسنوات. تُقلَب حين ذلك التوقعات والنتائج، وتُلقِّن بعدها التكلفة الحقيقية على أرض الواقع مقلبا معتبرا لمن يقود هذه العملية، الذي كان على الأرجح يتغنى بنجاح تجربته في مراحلها الأولية.

في كثيرٍ من الحالات، يختلف الشخص الذي يقود عملية التغيير في البداية عمن يقودها في مراحلها النهائية، فيتحمل أحدهم سوء تخطيط الآخر أو يتم إلقاء اللوم على شخص غير موجود. امتداد أجل هذا النوع من التكلفة يزيد من تهديدها لنجاح عملية التغيير، ويتطلب أن يكون التعامل معها مبكراً بطريقة تكون أو لا تكون. وجود مقلب في تكلفة التغيير يعني خسائر راسخة لا يمكن تعويضها، على الأقل، خلال عمر العنصر أو النطاق الذي يحدث فيه التغيير.

من أهم خصائص عملية التغيير تكلفته. تتوزع تكلفة التغيير بين تكلفة التخطيط والتنفيذ والمتابعة والمراقبة وما إلى ذلك، ومنها المباشر وغير المباشر. وبطبيعة الحال، إذا زادت التكلفة عن المنفعة أصبحت عملية التغيير غير مفيدة ولا طائل منها. تكلفة التغيير محدد رئيس في عالم الأعمال، وهي من يصنع الفارق بين المتنافسين. وكقاعدة عامة، كلما ارتفعت تكلفة التغيير ارتفعت فرص التميّز التنافسي، لكن إذا وصلت إلى مستوى مرتفع جداً يحصل العكس؛ لأنه حينها لن يُقدم أحد على التغيير. ولا تختص تكلفة التغيير بعالم الأعمال فقط، فهي موجودة على المستوى الشخصي (كالتضحيات) وموجودة كذلك ضمن عناصر التغيير الاجتماعي الأوسع نطاقاً والأكثر تعقيدا.

لا تقتصر التكلفة على ما يمكن قياسه بالقيمة الاقتصادية المباشرة، فقد تُدرج كل مدخلات عملية التغيير ضمن تكلفته، كالوقت والقدرات البشرية والسمعة المستقبلية وخسارة البدائل الأخرى. قد نستطيع تقدير هذه العناصر اقتصادياً، لكن في كثير من الأحيان تتجاوز القيمة ما يمكن تقديره، ونقول عنها: “لا تقدر بثمن”. حينها، ستشكل تكلفة التغيير خسارة فعلية “لا تقدر بثمن”.

يعتبر نظام ساهر المروري مثالا حيا لعملية التغيير وتكلفته المعنوية المرتفعة. نظام ساهر برنامج متكامل لإدارة ومراقبة الحركة المرورية، يتكون من محاور وتطبيقات عدة، ويقع في مكان مهم ضمن مجموعة نظم أخرى تكمل استراتيجية الحركة والنقل على المستوى الوطني. ردة الفعل الواضحة وقَصر رؤية النظام بأنه مجرد آلية لضبط المخالفات، بينما يتكون النظام فعلياً من تطبيقات متنوعة مهمة أخرى، تظهر العديد من عناصر التكلفة التي كان يمكن التخلص منها ببعض الإعداد والتخطيط. ما حصل فعلياً هو فقدان ثقة الجمهور، بل عدائية بعضه (المثبتة) تجاه النظام، وهذا يشكل تهديدا كبيرا جداً لبقائه أو لتمرير بقية تطبيقاته حسب الخطة المعدة له.

فقدان الثقة والموقف السلبي من الأنظمة والقوانين الجديدة يرهق التنمية كثيرا، فهو يبطئ عملية البناء الحضاري والالتزام الأخلاقي. وقد يتحول إلى نوع من العادات أو الجرأة المبالغ فيها على كل تنظيم جديد، وهذه تكلفة متنامية لا أتوقع أنها كانت ضمن اعتبارات نظام مثل “ساهر”. نوقش النظام أخيرا في أروقة مجلس الشورى من الناحية الاجتماعية والشرعية، ليس قبل تطبيقه ولا بعد إنجازه، إنما خلال المراحل الأولية له. مقاومة التغيير أمر متوقع، لكن تحولها إلى عدائية تكلفة مرفوضة. السؤال يكون هنا: كيف يتم تفادي هذا النوع من التكاليف؟ قد يكون الحل في تجسيد الفوائد والآثار بطرق مبتكرة، أو إشراك المعارضين في حملات الترويج. يختلف الحل حسب أسلوب التغيير والاعتبارات الاجتماعية والثقافية المصاحبة له، التي يجب أن تأخذ في الحسبان هذه التكاليف المتوقعة وكيفية تفاديها.

من الأمثلة الأخرى على تكاليف التغيير على المدى الطويل ما يكمن في استيعاب النظام الجديد عمليات تعاكس أهدافه. وبالتالي، هدر المصادر والإمكانات وعدم الاستفادة منها بكفاءة. وهذا ما يحدث في الشكاوى الكيدية التي تتخذ من قنوات التقاضي محيطاً تمارس فيه أهدافها الانتقامية. على سبيل المثال، قدمت وزارة العمل في السنوات الأخيرة برامج عدة للتوعية بحقوق العامل، ورفعت من كفاءة قنوات التقاضي وفض النزاعات. لكن هذا الأمر فتح المجال للشكاوى الكيدية والدعاوى غير المستحقة، ما شكل استهلاكاً بلا مردود للإمكانات التي وضعت من أجل رفع كفاءة هذه القنوات.

قد يدخل إهمال الجوانب المعنوية والثقافية، خصوصاً خلال عملية التغيير ضمن الإهمال الجسيم الذي يستحق المحاسبة والعقاب. فهذا الإهمال يتسبب في هدر وخسائر كان يمكن تفاديها ببعض الحصافة والتخطيط المبكر. تعقيدات عملية التغيير لم تعد من الأسرار، بل إن مصادر الاستشارة والتزود المعرفي في هذا المجال لا حدود لها. عملية التغيير هي في الأساس عملية فكرية، ولا بد من الاعتبار للجوانب المعنوية والتنبه لها. يجب على أي برنامج يطبق على نطاق واسع أن يأخذ كل عناصر التكلفة – المادية والمعنوية – المتوقعة في الحسبان، ويسعى فعلياً لتجنب الوقوع في مقلب التكلفة المرتفعة خلال فترة التأثير المنشودة، ولو طالت.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 23 أغسطس 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى إدارة وتحفيز, اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: