الوقف.. بين الاستدامة والزوال

يبدأ الوقف في الزوال إذا لم يثبت قدرته على البقاء من أول مراحل حياته. أخيرا، دخل مفهوم الاستدامة لتوصيف هذه المسألة المهمة، وقد تجاوز المفهوم أخيرا حصرها باعتبارات خاصة بالبيئة أو الأعمال غير الربحية فقط. هو الآن مفهوم متعدد الاستخدامات له متطلبات اجتماعية وبيئية واقتصادية وآثار تصل للإنسان الموجود والإنسان القادم كذلك. يعاد تركيب المفهوم على العديد من النماذج الإدارية والتنظيمية بطرق متنوعة، وقد أثار انتشاره حفيظة واستغراب البعض حتى ظنوا أنه من خدع الرأسمالية الجديدة! حين ينتقل هذا المفهوم إلى حيز العمل التجاري نجده يقترب من المفهوم المحاسبي “الاستمرارية”، لكن بصورة أعمق وأكثر اتساعا. تفترض القوائم المالية مفهوم “الاستمرارية” إشارةً إلى قدرة المنشأة، في وضعها الحالي، على مداومة أعمالها والقيام بالتزاماتها في المستقبل.

إذا استطعنا فرضياً التنازل عن هذا الشرط – أي استمرارية العمل التجاري – بالاتفاق مع كل الأطراف ذات العلاقة على إنهاء المشروع أو المنشأة (أي عملياً إنهاء المشروع) فإننا لا نستطيع بأي حال التنازل عن تحقيق الاستدامة في الوقف الخيري. الوقف نموذج اقتصادي قائم على “التأبيد” ويعتمد على الأصول القابلة للنمو والزيادة، إذا فقد الوقف قدرته على النمو لم يعد وقفا أو لم يعد مؤهلاً ليكون كذلك. حتى إن هناك تحريماً شرعياً لوقف ما هو قاصر عن توليد النفع، ومن أمثلة ذلك الطعام. إذا فقد الأصل قدرته على النمو، فقد خاصيته الوقفية الأساسية، ولهذا أثر اقتصادي مهم في كيفية إدارة الوقف.

وجدير بالقول إن النمو لا يمثل مجرد الزيادة المالية في الأصل الموقوف، بل يتعدى ذلك إلى حيازة القدرات البشرية وتمرير الأثر الاجتماعي وقدرة هذا النموذج التنظيمي الوقفي على التكيف مع البيئة التي يعمل فيها. تساند هذه الجوانب عملية النمو المهمة للوقف، (وهي مما يجب إدراكه والسعي خلفه من إدارة الوقف). تمثل هذه الجوانب أيضاً مفهوم الاستدامة الذي تتعدد تعريفاته، لكنها جميعا تدور حول قدرة هذا العمل على المحافظة الفاعلة على الموارد والأهداف، بما فيها ضمنياً، القيم الأخلاقية. لذا، فمن المناسب أن نقول إن الاستدامة مفهوم محوري لوجود واستمرارية نموذج الوقف ويجب تحديد طريقة التعاطي معه بوضوح، من صياغة الأهداف حتى متابعة مؤشرات الأداء. بكل بساطة، إذا كان الخيار الأول هنا هو الاستدامة فإن أي خيار آخر سيؤول إلى الزوال.

نقطة البداية في عالم الأوقاف هي رغبة وعطاء الواقف، وهي موجودة ومنتشرة، والحمد لله. لكن الصعوبات والتحديات تتعدد بعد ذلك، ما يغير من أسلوب أو عوائد هذا العطاء النبيل. وهذا بلا شك تشويه للصورة الحميدة والمميزة التي تختص بها الأوقاف الخيرية. وبعيداً عن هذه القضايا المثيرة (كاعتبار الهوية الوقفية وتناقل الملكيات وآليات النظارة) هناك سلسلة أخرى من القضايا الداخلية (كالحوكمة والعلاقة مع الموظفين ومعايير الاستدامة الوقفية) التي تشكل كومة أخرى من التحديات التي لم تنبش بعد.

يظل النظر إلى التحديات الداخلية للوقف ملحا جداً، لأنه خلال الوقت الذي نتابع فيه تطورات مصير الأوقاف وتحدياتها التنظيمية والبيئية، نفقد المزيد من صحة وعطاء كل وقف. مرور الوقت بلا قدر مستمر وكاف من العوائد يعني أننا تركناه يسير ببطء في طريق الزوال، وهذه خسارة اقتصادية واجتماعية كبيرة، إضافة إلى أنها مخالفة صريحة لمتطلبات ونيّة الواقف.

ضوابط الاستدامة تندرج تحت ثلاثة محاور. ضوابط بيئية تخص تفاعل الوقف مع الموارد الطبيعية ومع البيئة التي تحوز هذه الموارد، وتشمل إضفاء القيمة على الموارد الموجودة وتركها بصورة أفضل للآخرين. أما الضوابط الاجتماعية فتتناول قدرة الوقف على التكيف مع التغييرات الاجتماعية والاستثمار الإيجابي في الحاجات المعرفية والتواصلية للفئات التي يتعامل معها الوقف، ويتضمن هذا كذلك متانة السند الأخلاقي الذي تقوم عليه المؤسسة الوقفية. وفي النهاية، تبقى الضوابط الاقتصادية التي تضمن الاستمرار المادي للوقف بالشكل الذي يطرح نفسه به.

وعلى الرغم من أن هذه المحاور الثلاثة تعتمد على بعضها وتحتاج إلى قدر عال من التناسق والتناغم لتتحقق عملية الاستدامة، إلا أن المحور الاقتصادي يظهر دائما في المقدمة، وهذا مبرر لأنه الأكثر قابلية للتجسيد ويكاد يكون الأقرب إلى الموضوعية في التطبيق. وهذا لا يعني سهولة النجاح فيه، فهناك قدر إضافي من تحديات الاستدامة لدى الأوقاف تحديدا. منها أن نموذجها يعتمد على التبرعات أحيانا أو تعدد نماذج النمو للأصول الموقوفة، وعدم انتظام هذه المسألة يخفي عيوب النمو في أصل الوقف. كذلك، يشارك العمل الوقفي غيره من الأعمال الربحية في السوق، وهذا يعني خضوعه لقواعد التنافسية والسوق الحرة. أي أن تحديد العائد الملائم لضمان النمو ليس قرارا داخليا بحتا، بل قد يتغير حسب الأوضاع المحيطة ويستوجب الاستجابة السريعة بالقرارات الإدارية الفاعلة.

باختصار، ما لم تنظر إدارة الوقف – ونظارته – إلى كل هذه العوامل مجتمعة بأسلوب إداري عصري وبمعيار أخلاقي ومعرفي عال، سيفقد الوقف ملامح استدامته ويدخل في نفق الزوال. وهذا ما يصعب تقديره، لكنه يحدث، التاريخ يثبت أن الأوقاف تزول في جيل مختلف عن الجيل الذي خطط لوجودها. ويمكن تصور هذا بسهولة إذا استبعدنا من معادلة الاستدامة ما يُضخ من الأصول الوقفية الجديدة والتبرعات الشخصية لمؤسسات العمل الوقفي، هنا يجب على الوقف أن ينافس العمل التجاري في الفاعلية الربحية، وإلا ابتعد أكثر عن “التأبيد” ودوام الخير، وهو هدفه الأساسي الذي وقف له.

 

*نشر بتاريخ 16 أغسطس 2013

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات وطن, التمويل الإسلامي, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: