الاستثمار في العيد

من أفضل الاستثمارات تلك التي تعود بالمردود الأكيد والرائع، وأحدها هو الاستثمار العاطفي. وكأي استثمار، يتطلب الاستثمار العاطفي معرفة ما نملك حالياً، وما نريد أن نحوز من مشاعر كالسعادة والفرح. ليس من الضروري أن نفصل بدقة بين السعادة والفرح، فأحدهما صورة عميقة وكاملة والآخر مجرد لمحات صادقة من الشيء نفسه. ولكن من الضروري أن نفصل بين السعادة والفرح وبين ما يناقضهما من مشاعر التعاسة والحزن، ومن ذلك أن نستثمر ما يتاح لنا للمباعدة بينهما. الفرصة التي تتكرر موسميا في العيد تعيد إلى أذهاننا تلك الطقوس الجميلة التي ننهيها على الأرجح قبل أن تبدأ، ونترك ممارسة ملامحها الصادقة للأطفال فقط، وكأن بعض النفوس ــ كلما مضى بها العمر ــ تراهن على الحزن فقط.

المسألة لا تختص بالأطفال وإن كانوا عيونها وجواهرها، وهي ليست عادة صماء لا نفهمها حتى نمارسها بلا تمعن، أو نثور عليها بلا سبب. العيد عطية من رب العالمين. العيد فرصة إجبارية ثابتة سمي وحدد بها جزء من الزمان للتذكر والسعادة، للمقاربة بين البذل والعطاء، ولتجربة الفصل بين النمطية والتجديد، وبين الذكريات والأمل. العيد قطعة من الوقت يتجلى فيها التكافل ويتجسد بها التواصل، موردها الأساسي صفاءٌ وتجديد، وعوائدها سعادةٌ وفرح.

تتمركز المخاطرة جيداً في كل معادلات الاستثمار، وهي ليست إلا تصديقاً للذي لم يحدث بعد، وتحمل بعض الضرر قبل وبعد حدوثه، وكسب لمجهول تختفي تفاصيله. المخاطرة قاسية، نعم، إلا أنها مجرد شوكة رميت في طريق كسب المال، أو السعادة. وعلى الرغم من فوارق النبل والسمو لصالح السعادة على المال، إلا أن الاستثمار فيهما متشابه. نية وتخطيط يتبعهما بذل وصبر ثم تأتي النتائج بالكسب والثراء.

من مخاطر الاستثمار في السعادة ما يُبذل للآخرين دون أن نرى نتائجه المباشرة، كالفعل الحسن والصبر على الأذى. وكما نلبس الجديد من الثياب ذات التكلفة المعتبرة والتفاصيل الدقيقة من طول وقصر وتموج وانكسار، فكذلك المشاعر بحاجة إلى الجديد من الكسوة التي تتطلب الدقة والاهتمام لتريحنا وترضي من يراها. تستحق مشاعرنا تجاه الغير بالغ الاهتمام منا، فإطلاق المشاعر النبيلة كسوة أجمل من الثياب، وهدايا تُحبِّب ولا تُشترى، وتجديد لا يبلى ولا ينتهي. وفوق هذا كله، هي اعتراف بفضله سبحانه ونعمته علينا أن منحنا حق التفكير والتعبير والتصرف، ومن شكره على ذلك أن يكون في الخير والمحبة.

وكما نخاطر ونبذل، لا بد كذلك من الصبر والتأني، فالتاجر المتعجل مضطربٌ متهور، وهو خاسرٌ على الأرجح. وكذلك التجارة مع الأرواح والأنفس، تتطلب ”الرمي في البحر” وبعضاً من صبر البحارة أيضا. وهكذا: يحصل الفرح، نعطيه وننشره ونصبر، وستعود السعادة ولو بعد حين.

في أعراف الاستثمارات الجديدة ما يسمى الاستثمار الأخلاقي، ويقصد به تجنب الاستثمارات التي تتعارض مع الأخلاق والمبادئ. سواء كانت بسبب طبيعة المنتج أو عدالة إجراء تصنيعه أو حتى بيئة العمل التي تهيئه. لا يخفى بأن الاستثمار في السعادة هو استثمار أخلاقي بطبعه، غير أن الترفّه على حساب الغير يخرجه من هذه الدائرة. من عدالة المستثمر مع نفسه، أن يتحرى أثر أفعاله في الآخرين، ويختار منها ما لا يكون على حسابهم ويستمد قوته من ضعفهم.

لا يفوّت المستثمر الجيد شيء كالوقت، عرّفه بعضهم بالفرصة كما عرّف آخرون الفرصة بالوقت. والتعامل مع الوقت يعتمد على سرعة الإنجاز ــ وهذه من عناصر الكفاءة ــ وعلى حسن توقيته ومواءمته للحدث. وأسهل المواءمة ما يحدث في مواسم متكررة، كيوم العيد تماما. ومع هذا، هناك من يضيع هذه الفرص فيأتي العيد ولا يفرح ولا يحاول بصدقٍ إدخال الفرح على من حوله. أحرص ما يكون المستثمر على عوائده، وما يميز هذا النوع من الاستثمارات العاطفية والإنسانية ثراء عوائدها وتنوعها. منها المباشر الذي يحدث حالا ومنها ما يلحقه ويتبع سيرته ويستبق خطواته. من الطبيعي أن يكون ناتج الاستثمار في الأموال أموال، وفي السعادة سعادة. ولكن هناك عوائد إضافية عند الاستثمار في السعادة، كالطمأنينة والرضى. القناعة تصبح أسهل، وتتلألأ الثقة في عيون الأحبة، ويصبح كل من التضحية والعطاء أكثر جاذبية من أثمن الماديات والممتلكات. وكل هذا يحدث باجتماعٍ طيب في يوم عيد جميل، ورغبة صادقة في نمو المشاعر واستثمارها لسعادة الجميع.

 

*نشر بتاريخ 12 أغسطس 2013

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى كيرفكري, التحفيز الذاتي

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 12 hours ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 13 hours ago
  • RT @Aljomaih1988: @TalalJDB @TalalAlmaghrabi الرحلات الداخلية لا تاخذ الا ناس ونسما و سعودية الخليجية وريح راسك 13 hours ago
  • @TalalAlmaghrabi أكيد، دور الطيران المدني محوري وقد يكون هو السبب الرئيسي، ربما مشغولين بالاستثمارات عن ضبط التشغيل. 13 hours ago
  • دعوة إلى الرياديين لإيجاد حلول لمشكلة الخطوط السعودية! اعرف ما يقدروا يشتروا طيارات بس يمكن يبتكروا حل لمشكلتها مع التأخير! 13 hours ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: