رمضان والتخطيط المالي

يتعامل بعضنا مع شهر رمضان المبارك كفترة مالية حرجة تتطلب الكثير من الالتزامات والبذل. تتنوع هذه الالتزامات بين تلك الأكيدة التي لا مفر منها وبين ما نلتزم به بمحض إرادتنا. جميع هذه الالتزامات تستحق الانتباه والتخطيط، حتى الصدقة مثلا تستحق الاهتمام والاستعداد المبكر. وما يستوجب الملاحظة أن هذا الشهر الكريم يمنحنا أفضل فرص الاستعداد -من النواحي المالية والاقتصادية- لغيره من الأيام. الوعي المالي الجيد، والتخطيط تحديداً، يسمح بتحويل الارتباك المالي المزعج في شهر رمضان إلى تنظيم مالي مفيد لرمضان وبقية السنة كذلك.

يتفاعل معظم الناس مع شهر رمضان المبارك ماليا بأساليب مختلفة عن بقية الأشهر، سواء استعدادا للتسوق قبل العيد أو للعطاء الخيري. هناك من يجدد أثاث منزله خلال هذا الشهر أو يختاره لشراء كسوة أطفاله والهدايا والمقتنيات، وبالتأكيد يعتبر هذا الشهر المبارك مثالياً للتصدق وإخراج الزكاة والقيام بالعديد من الأعمال الاجتماعية الأخرى. ويضاف إلى كل ذلك الضغوط الاقتصادية الراهنة وما تسببه من إرهاق مالي عسير. بالتأكيد، جزء من الحلول يأتي من البيئة والأوضاع المتغيرة من حولنا، لكن جزءا آخر مهما يتمحور حول قدرة الفرد على إدارة أمواله بنفسه.

شهر رمضان موسم ثابت ومتكرر يختلف عن بقية شهور السنة بكثير من الملامح والعادات، ويصلح ليكوّن نهاية وبداية الدورة المالية السنوية للفرد والأسرة. رمضان شهر التوبة، تتجسد خلاله العديد من خصائص المراجعة والمتابعة الذاتية، وتروج فيه الوعود بتأدية الأفضل في القادم من الأيام. وخلال هذا النوع من المشاعر تتجلى الشفافية مع الذات والرغبة في التعامل بإيجابية مع الظروف والتحديات. لا توجد فرصة أفضل من هذه لمتابعة بقية شؤون الحياة ومراجعتها، ومن ذلك التخطيط والإدارة المالية. إدارة المال من المقاصد الشرعية، ولنا احتساب فعلها لوجه الله – سبحانه، سواء للمحافظة على النعمة التي أكرمنا بها أو لحماية أفراد الأسرة من تقلبات الأيام.

تتلخص مبادئ الإدارة والتخطيط المالي للفرد والأسرة في أربع مراحل تبدأ من تحديد الأهداف المالية التي نرغب في تحقيقها، ثم تقييم الوضع الحالي، ثم تصميم خطة التنفيذ، وفي النهاية التنفيذ والمتابعة ومراجعة كل ما سبق باستمرار. جلّ ما تتطلبه هذه الخطوات هو التفكير بجدية خلال شهر رمضان وتوثيق حركة الأموال للسنة المقبلة حتى رمضان الذي يليه. التخطيط المالي مهارة معيشية مهمة تتحقق أهميتها بتأديتها في الوقت المناسب والاعتياد على التخطيط يبعث على الحرص الدائم ويحفزنا لنكون أكثر دقة مع مغريات الشراء والاستهلاك.

يُختصر التخطيط المالي في فكرة: ”من أنت؟ ماذا تريد؟ وماذا ستفعل؟”. وإعادة طرحها بلغة مالية يجعلها تتحول إلى: ”ماذا تملك؟ وماذا تريد أن تشتري؟ وكيف ستفعل ذلك؟”. من أبرز النصائح هنا التركيز على زيادة وتنويع مصادر الدخل، إضافة إلى الإدارة الجيدة للمصروفات. وهذا لا يكون إلا بعد تحديد اتجاه البوصلة والاتفاق -مع شركاء الحياة- على الأهداف الحياتية والأهداف المالية المنبثقة عنها، ولتحقيق هذا الاتفاق يتجلى دور الثقة والشفافية والحوار الفاعل.

توثيق الأهداف وتحديد وسائل تحقيقها مهم كذلك، الدراسات والتجارب تثبت أن كتابة الخطط والأهداف مؤثر إيجابي في الإنتاجية. واستعدادا لمراحل ”الصرف” وفترات زيادة المخرجات المالية -تماما كرمضان- ينصح بالتخصيص المسبق للمصروفات. تقسيم الرغبات ومواءمتها مع القدرات المالية والاتفاق على ذلك بوضوح مع أفراد الأسرة يزيد من السيطرة ويحقق النتائج المرضية فلا يحدث الارتباك. تحديد سقف أعلى لتكلفة تجديد المنزل أو مخصصات الهدايا والكسوة والمشتريات الشخصية يعطي نتائج مريحة حتى لو لم يتم الالتزام به بدقة، ولهذا دور في متانة واستقرار العلاقة بين أفراد الأسرة كذلك.

في الدول الضريبية، يتعامل الكثيرون مع شهر سداد الضريبة ”أو شهر احتسابها” كنهاية الدورة المالية الشخصية له، وهكذا تشكل الأحداث النمطية فرصة ملائمة للإدارة والتنظيم. على الرغم من قصر أعمارنا إلا أنها تمتد على خط الزمن في تعقيد وتباطؤ يجعلنا ننسى أحياناً أو حتى نفقد السيطرة. وهنا يأتي دور تقسيم ما بقي لنا من العمر مراحل، والمراحل سنوات، ونختار في كل سنة شهرا تبدأ عنده السنة وتنتهي قبله، وليس أجمل وأكثر ملاءمة من رمضان لهذا الدور. التجزئة دائماً مهمة لفهم العمليات المعقدة.

يتفق أفراد الأسرة، في الصورة النموذجية، على الأهداف المالية ويتحدّون لتنفيذها بمتابعة القيادة العليا ”الأب والأم” التي تنّظم وتوجّه. الشفافية ضرورية وترك بعض المساحات والهوامش مسموح، لكن بحدود. وبهذا تصبح حتى مخارج الأموال التي كانت استثنائية ومربكة في شهر رمضان، جزءا من الدورة التي تم التخطيط لها من رمضان السابق.

مع الوقت، سيكتسب كل أفراد الأسرة هذا السلوك ثم يبدأ في الحدوث بطريقة تلقائية، تبدأ في رمضان وتنتهي برمضان الذي يليه. مكاسب للحاضر ومكاسب للأجيال القادمة. ولا يمنع أن تُستغل بعض اجتماعات الأسرة بعد وجبة الإفطار –مثلا- باستخدام الشفافية والصراحة لتداول هذا الشأن المهم. لم يعد القيام بالتخطيط والإدارة المالية من الترف التنظيمي أو الحضاري، بل هو ضرورة ومخرج مهم تستخدمه الأسرة الواعية للوقاية من أشد مشكلات هذا الوقت.

نشر بالاقتصادية بتاريخ 2 أغسطس 2013*

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات الأسرة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • #ابايع_محمد_بن_سلمان_وليا_للعهد على السمع والطاعة في المنشط والمكره، واسأل الله له التوفيق والسداد وأن يمده بعون من عنده لحمل هذه الأمانة 1 day ago
  • RT @Najd_AlKharashi: @TalalJDB مقالك رائع يا دكتور 👍🏻فعلا دائما يصورون للشباب أن الثراء لا يأتي الا بالتجارة ولكن الاحترافية المهنية مصدر ل… 2 days ago
  • @freemansc1 هي ليست من المسار المهني "التقليدي" للمهندس، مجدية؟ نعم أكيد. قد تكون إضافة إذا كنت مستعد للتحول أو الت… twitter.com/i/web/status/8… 2 days ago
  • RT @DrAmeghames: احث الاخوة والاخوات الحاصلين على بكالوريوس محاسبة او دبلوم محاسبة بتعبئة نماذج البحث عن وظيفة من الرابط التالي https://t.… 3 days ago
  • RT @Gosibi: أسس جمعية الأطفال المعوقين وعمل آخر 30 عاماً من عمره مجاناً، حيث حول رواتبه كلها دعماً للجمعية، ما لا تعرفه عنه https://t.co/FS… 5 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: