متلازمة المؤسس

 

متلازمة المؤسس أو ما يسمى Founder’s Syndrome، هي ليست مرضا عضويا، إنما حالة إدارية سلبية تؤثر في سير عمل المنظمة وتهدد مستقبلها. تنشأ هذه المتلازمة لدى المؤسسين – أو غير المؤسسين – الذين يقومون بدور جوهري ومسيطر في تأسيس وإدارة المنظمة. تظهر المشكلة حينما يتطلب النمو (أو التوسع) التغيير في مستوى سيطرة المؤسس وطريقة تعاطيه مع القرارات داخل المنظمة. على سبيل المثال، يبدأ المؤسس من الصفر في بناء منشأته، وبعد نجاحها تصل إلى مرحلة تتطلب إدخال شركاء جدد يعززون مواردها وقوتها، وعلى الرغم من أن المؤسس هو من يبحث عن هؤلاء الشركاء ويحضرهم بنفسه، إلا أنه يقاوم وجودهم وتدخلهم في مصير الشركة.

من الصور الأخرى ما يحدث في مجالس الإدارة التي يحرص فيها العضو المؤثر والمسيطر على وجود أعضاء صوريين (أصدقاؤه على الأغلب) يتوقع منهم أن يتعاملوا معه بطريقة: ”بكل تأكيد، نعم نتفق معك”! فهم لا يستطيعون معارضته كثيراً ولا يرون مصلحة في ذلك بسبب طبيعة العلاقة بينهم وبين هذا العضو المؤثر، الذي – في نظرهم – يعي جيداً ما يقوم به. تُدرَس هذه الحالة في أدبيات الإدارة الحديثة لعظم التحديات الناتجة عنها. وجود مجلس إدارة صوري أو فكرة المقاومة الداخلية من المؤسس القوي أو حتى افتقار صنع القرارات للنزاهة أو الموضوعية يشكل تهديدا لوجود واستمرار أي منشآة.

وفي هذا السياق يتم التركيز أحيانا على المنشآت غير الربحية، فهي معرضة لإصابتها بمتلازمة المؤسس أكثر من غيرها. وهذا لأن هذا النوع من المنشآت يعتمد على فاعلية الحوكمة الداخلية، ولا تشكل غالبا الأطراف الخارجية (كالملاك مثلا) أي ضغوط إضافية لتقييم أو معالجة مشكلات الإدارة. الأطراف التي تستفيد من العوائد – كالفقراء – هم أضعف من أن يشكلوا عامل ضغط، لذا تكون حالات متلازمة المؤسس في النشاط غير الربحي أقوى بكثير من غيرها.

وهذا لا يعفي المؤسسات الناشئة الناجحة من هذه المتلازمة الخطيرة، فهي تشكل صورة مثالية للبيئة التي تتشكل فيها هذه المتلازمة. تبدأ هذه البيئة المحفزة للمرض من التحديات المبكرة وتنتهي بالثقة العظيمة التي تنتج عن تجاوز الفشل والتعلم منه إلى أن تقف النجاحات فجأة إذا وصلت المنشأة إلى مرحلة النمو والتوسع بسبب وجوب الاعتماد على الآخرين. جدير بالذكر أن الإصابة المبكرة بهذا الداء تعني هدرا للوقت وتضييعا لفرص النمو والانتشار، ولهذا الأمر عديد من الآثار على المؤسس أو الأطراف الأخرى التي تستفيد من المنشأة.

حتى المؤسسات المستقرة – والضخمة كذلك – تتعرض لهذه المتلازمة. يحدث هذا عندما تتجدد حياة المنشأة بفضل أحد إدارييها الأفذاذ، الذي – من شدة إخلاصه – يصاب بهذه المتلازمة ويقف كحجر عثرة في طريق تدوير هذه المرحلة الناجحة وتسليمها إلى فريق جديد ينهض بها ويحافظ عليها.

محليا، تعد الشركات العائلية والمؤسسات الناشئة الجديدة من أكثر الفئات المعرضة لهذا الخطر. تفويت فرصة معالجة هذه المشكلة لا تؤثر في المؤسس أو الشخصية الإدارية المتميزة التي تصاب بها فقط، إنما في كل من حوله كذلك. مرحلة البناء – محلياً – تستوجب الاستثمار في القيادات التي تنقل وتطور المرحلة، وهذا يتطلب التمكن من مهارات التفويض والتدوير الإداري وتوزيع الثقة. البناء الجاد لا يتحمل مزيدا من ضحايا هذه المتلازمة، الشرسة، فهي لا تفتك بالمريض أو الضعيف كما في بقية آفات الفساد الإداري، بل بالقوي الذي يكون في عز نجاحاته.

ماذا تخسر المنشآة في حالة إصابة القيادي الرئيس بمتلازمة المؤسس؟ هناك عديد من الخسائر المتوقعة، منها مثلا تقييد أداء المبدعين الآخرين في المنشأة، حيث لا تعطي سياسة المؤسس مساحة كافية للتفكير والعمل بحرية. تتداخل كذلك شخصية المؤسس مع هوية المنشأة، فينشأ ارتباط معنوي قوي يضر بسمعة المنشآة. وبالطبع تتأصل مركزية اتخاذ القرار في هذه الحالات، وتبدأ بقية الأطراف داخل المنشأة بالتعود على الاستجابة السلبية وتتضاءل بذلك فرص وقيمة المبادرة. وفوق هذا كله، تمثل هذه الحالة تهديدا مباشرا لمستقبل المنشأة، حيث تصبح قدرتها على البقاء مرتهنة ببقاء المؤسس واستمرار فاعلية سياساته الإدارية.

ماذا عن الحلول يا ترى؟ أول الحلول يقع في الشفافية والاعتراف بالمشكلة، وهذا من شروط الحل سواء تصاعدت متلازمة المؤسس بسبب مشكلة ”الأنا” أم باستحقاقاته وإبداعاته الإدارية. ويتبع ذلك رسم خطة واضحة لمرحلة التغيير والاتفاق على بنودها التي توضح آليات التواصل بين الأطراف المعنية (أعضاء مجلس الإدارة مثلا)، فالمشكلة في أساسها تتعلق بالتواصل وترتبط بالأهداف ولا تحل إلا بتقنينهما بالاتفاق. وكإجراء احترازي تعتمد بعض المنشآت على خطط الإحلال Succession Plan، بينما تستخدم المنشآت الأصغر خطط الخروج Exit Strategy لتفادي الإصابة بهذا النوع من المشكلات.

تختلف وصفة العلاج من حالة إلى أخرى، ويشكل كل من التخطيط الجيد والتحول السلس في حضور الشفافية دعامة الوقاية من هذه المشكلة. في نهاية كل قصة ناجحة يصبح الانفصال أمراً حتمياً، وهذا ما يجب أن يعيه المؤسس الذي تتمحور حوله هذه الحالة. المؤسس يهدي مجتمعه والهدايا لا ترد لأصحابها، عليه أن يدرك قيمة ما يدور حوله وأهمية ما يجب فعله، هو عصب المشكلة وكل مفاتيح الحل.

 

*تم نشره بالاقتصادية 25 يوليو 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى كيف نفكر, إدارة وتحفيز, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال
2 comments on “متلازمة المؤسس
  1. jstfatima قال:

    مقال اكثر من رائع وتشخيص دقيق لحالة شهدتها شخصيا ونوعا ما تأذيت منها ،، لمدير أسس قسم بشكل جيد ولكنه اصبح في الأخير حجر عثره لكل سبل تطوير القسم بسواعد الآخرين ،،كان الحل بالتغيير أو ما يسمى بال rotation jobs لكن للأسف مازالت أرى ان الشخص يعاني نزعة إلانا واعتقد ان الانفصال كما تفضلت افضل

    • طلال قال:

      شكرا لمرورك أخت فاطمة، وفعلا هذه مشكلة دارجة خصوصا عند الناجحين,. من يقوم بتقسيم حياته إلى فترات (دورية) يسهل عليه ملاحظة نفسه عند الوقوع في مثل هذه الأخطاء..أشكرك على إضافتك المهمة.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: