اقتصاديات الوباء

نحن لا نستسيغ النظر في الخسائر الاقتصادية إذا كانت الخسائر البشرية أكثر إيلاماً وأشد قسوة، وهذا ما تؤيده المعاني الإنسانية في عبارات مثل ”في المال ولا في العيال” أو ”في الحديد ولا فيك”. لكن، قد تسبب العوامل المادية – والاقتصادية خصوصا – الخسائر البشرية، وهذا يحدث في الحروب والحوادث وأحيانا في المرض. إدارة الجانب الاقتصادي بطريقة مختلفة تقلل من كلتا الخسارتين، البشرية والاقتصادية. في كل الأحوال، للوقاية من بعض الخسائر البشرية يستوجب أن تدار الثروات والمصالح بطريقة اقتصادية، وتحديداً، بطريقة عادلة ونزيهة.

حتى نتصور الجوانب الاقتصادية لعالم الأمراض، خصوصا الأوبئة الخبيثة، لا بد أولاً من أن نتخيل مواطن الأثر الاقتصادي ثم نحاول إدراك كيفية تغيّره، زيادةً أو نقصاناً، وآلية تفاعله – وتفاعلنا – مع الأحداث المتسارعة. وأفضل الأمثلة التي يمكن طرحها هنا هي الأوبئة التي تنتشر فجأة وتثير الخوف والهلع على مستوى العالم. وهذا لا يعني أن الأمراض غير الوبائية أكثر لطفاً، لكنها تصنع آثارها السلبية بطريقة مختلفة عن الأوبئة التي تنتشر بسرعة عالية وتصل إلى أماكن متباعدة خلال فترة قصيرة. تسبق الأوبئة العلماء والباحثين وتضرب عنصري الزمان والمكان بطريقة تدعوك للمشاهدة والملاحظة، والتأمل كذلك.

الانفلوزا- وباء العصر

على سبيل المثال، تضع الإنفلونزا صحة الملايين على المحك وتسبب نتائج اقتصادية مريعة. التجربة الآسيوية مع إنفلونزا الطيور تعتبر من أقسى الحوادث العالمية في العقد الأخير. أحد التقديرات يقول إن الخسائر بلغت خلال سنة واحدة ما يعادل 2 في المائة من الناتج الاقتصادي العالمي أو ما يقارب 800 مليار دولار. تتنوع هذه الآثار، بعضها مباشر والآخر طويل الأمد يستمر لسنوات أو عقود. قد تقوم الأوبئة بتجميد أو تعطيل النمو الاقتصادي وتسبب تآكل هوامش طفيفة – لكن مهمة. يصنع هذا الجزء من الناتج المحلي الفارق وتسخر له الإمكانات والجهود، لكن المرض الذي لا يستطيع أن يسيطر عليه أحد يخفيه في أيام.

تشير الدراسات الحديثة إلى أن الأثر الاقتصادي يتعاظم مع الأوبئة ذات معدل الانتشار المرتفع، مقارنة بالأوبئة الأكثر خبثا. أي أن الحرص يجب أن يكون أكبر مع الوباء السريع الانتشار، حتى لو كان أثره المباشر أقل خبثاً من غيره الذي لا ينتشر بسرعة. وهذا طبيعي، لأن القدرة على الانتشار السريع مؤثرة دائماً، سلباً أو إيجاباً.

ثلاث مراحل تحدد الأثر الاقتصادي للأمراض والأوبئة، مرحلة الوقاية ومرحلة العلاج ومرحلة التأثير الناتجة من عدم فاعلية الوقاية أو العلاج، أو حتى عدم وجودهما بالكامل. كلما تأخرت السيطرة على المرض أصبحت المهمة أصعب بكثير، وهنا تبدأ الآثار بالتضاعف.

اقتصاديات المرض

لتقييم الأثر الاقتصادي يُنظر إلى نسبة الإصابة بالمرض، ونسبة من نفقدهم أو نفقد خدماتهم بسبب المرض. ويدخل في ذلك تقدير نسبة الغياب الناتجة عن ذلك وساعات العمل الضائعة والفرص المفقودة كذلك. يتم عادة تقدير هذه الأرقام بناء على معدلات الإصابة التي تخرج بها وزارات الصحة. إذا افترضنا مثلاً إصابة 10 في المائة من سكان دولة ما، فإن هذا قد يعني إصابة 10 في المائة من القوى العاملة، وهكذا تجر هذه الإصابات وفيات وفقدانا دائما في القوة البشرية، إضافة إلى فقدان مؤقت في الساعات المنتجة، وكل هذه العناصر قابلة للاحتساب.

من التكاليف الحتمية في حالات انتشار الأوبئة، التكاليف الوقائية التي تتوزع بين الوقاية الصحية بالأمصال والتعزيزات الغذائية، إضافةً إلى التكاليف الإعلامية كالحملات التوعوية. وللوقاية، تستجيب المجتمعات بتغيير بعض سلوكياتها كزيادة ساعات المكوث في المنزل أو تغيير وجهات السفر أو حتى الغياب عن ممارسة العمل والدراسة، اختياراً أو فرضاً. ولهذه الأمور تأثير معتبر في النشاط الاقتصادي بلا أدنى شك. من الطبيعي أن يتم تقدير التكاليف العلاجية كذلك، التي تكلف الكثير. الخطوات الوقائية والعلاجية تستدعي استنفار النظام الصحي وإبرام عقود استيراد الأمصال والمواد وزيادة ساعات العمل وغيرها من التكاليف.

فساد ومرض!

من الجوانب المثيرة للحزن أيضا، اختلاط الوباء مع الفساد. البعض لا يكتفي باستشراء مشاعر الحزن والألم المرتبطة بالخسائر والضعف والعجز، بل يستغل كل هذا في انعدام أخلاقي وإنساني مهين، فيمتهن الاختلاسات ويستثمر في الفساد ويصنع مصلحته في طريق المرض والوباء. الهلع والانفعال الإنساني يهيئان أسهل الفرص لمن يرغب في استغلال الآخرين. يمثل هذا المجرم الشر الذي لا يمكن مقاومته إلا بالنظام العادل والقوي، الذي يحافظ على عدله وأخلاقه حتى في أوقات الأزمات. في الأمراض الوبائية، وبسبب سرعة الانتشار، تصبح تكاليف الاحتواء أعلى بكثير من تكاليف الإجراء الوقائي. تكلفة علاج ومراقبة ثلاثة مرضى وانتشار محتمل تختلف تماماً عن تكلفة احتواء 100 مريض وانتشار واقع لا محالة، وتتضاعف التكلفة عشرات المرات كلما تضاعف عدد المصابين. التقاعس عن مسارعة التعاطي مع الحالات المبكرة يقع تحت باب الإهمال الجسيم الذي يتحول إلى كارثة وطنية وإنسانية إذا أصبح الاحتواء أصعب بعد تطور الحالات. فكرة الوباء، والضرر الذي ينتج عن هذا الوباء، ليست غريبة فهي تتكرر أخيرا كل بضع سنوات، وطبيعتها المفاجئة يجب ألا تفاجئ أحدا في هذه الأيام. وكما تشير النظريات الاقتصادية، ”شبكة الحماية” أوفر كثيراً من محاولة احتواء الأزمة، والوقاية خيرٌ من العلاج.

 

* نشر بالاقتصادية بتاريخ 24 مايو 2013

Advertisements
نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات وطن, الفساد, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: