شباب الأعمال والعمالة .. رهان القيمة

الجميع يبحث عن القيمة .. وهل هناك من يريد أن يحصل على شيء لا قيمة له؟ أو يقدم للآخرين شيئًا بلا قيمة؟ القيمة ليست نتيجةً سهلة أو نهايةً أكيدة لمجرد المحاولة، هي فائدة تتأرجح بين أمواج التحديات والفرص، مرة واضحة تعلوها ومرة تختفي في القاع، تتطلب من الساعي إليها الجهد والذكاء والظروف المناسبة. التغيير الذي يحصل اليوم في طريقة ومعدل انتشار العمالة غير النظامية، والدعم المتزايد لشباب الأعمال، يشيران إلى فرص واضحة لصنع المزيد من “القيمة”، حتى لو كانت هناك بعض الضبابية في هذه التغييرات. لا تخلو هذه الفرص من التحديات والخيارات المتعددة، التي قد تضاعف القيمة أو تستهلكها بين ليلة وضحاها. وعلى الرغم من أن القيمة فكرة متغيرة، تتغير كلما حزنا على المزيد من المعرفة، إلا أنها ذات معنى إيجابي يستحق الاهتمام، ويصنع تأثيراً جوهرياً في قراراتنا وطريقة حياتنا.

تضع الحملة الأخيرة لتصحيح أوضاع العمالة غير النظامية عامل ضغط شديدًا على المنشآت الصغيرة. العديد من هذه العمالة تُشغّل أعمالاً تجارية، بل تسيطر على صناعات كاملة. تشكّل هذه العمالة جُلّ اليد العاملة في مجال ما. من الممكن أن يؤدي هذا التصحيح إلى اختفاء عدة مجموعات من هذه العمالة غير النظامية، وبالتالي توقف بعض الخدمات عن العمل أو اختفاء بعض المنتجات، وهذه فرصة. سيناريو آخر يقول إن العمالة لن تختفي، لكن تعاطيها مع الأعمال التجارية سيتغير بطريقة هيكلية، محدودية خيارات الوافد من ناحية جغرافية، والتزامه بالعمل عند كفيله الحقيقي فقط يعني ظهور فرص أخرى عند آخرين. وهناك من يقول إن هذه المنشآت الصغيرة التي تسيطر عليها العمالة، هي أشبه ما تكون بالشبكات الضخمة والشركات القابضة التي تتكون من متاجر ووحدات صغيرة جداً وذات انتشار عال باستنتاخ قوي لمستوى متدن من الجودة! تخيل ماذا سيؤدي تفكيك هذه الشبكات وهز عمادها من العمالة غير النظامية؟ وهكذا، تحقق هذه الحملات (بغض النظر عن اختلافنا حول أسلوبها) العديد من الفرص. وهي فرص مستمرة؛ لأن هذه التغييرات مستمرة، بل هناك ما يشير إلى تزايد وتيرتها في المستقبل القريب.

منتجات وخدمات السوق اليوم في ثلاث طبقات: طبقة من الضروريات (مثلاً: التجزئة والمواد الغذائية)، وأخرى تزيد كفاءة ما يقدم من الضروريات (كخدمات التقييم والتوصيل)، وأخيرة ترفيهية استهلاكية (كالمقاهي). تسيطر العمالة على مجالات عدة في الطبقتين الأولى والثالثة، وتقدم التقنية حلول الطبقة الثانية. إذا تعرّض وجود العمالة الوافدة للاهتزاز فإن الطبقة الأولى تمثل الفرصة الذهبية ومحطة الانطلاق لبقية الطبقات؛ لأن الباقي يبنى عليها. محاولة العمل على منتجات وخدمات تزيد كفاءة أشياء غير موجودة بالتأكيد لن تنجح. الضروريات هي أسرع ما يُكسب ولاء العملاء، وأكثر مسببات الولاء ثباتاً، وهي مصنع العلاقات التجارية والمجتمعية التي تولد المزيد من الفرص الجديدة.

لا أحد يود أن يختل سير العمل التجاري من حوله. من هؤلاء، المستهلك الذي سيشعر بالضجر؛ لأن استقراره الاستهلاكي يختل. لذا، سيبحث على الأرجح عن خيارات أخرى، وهذه فرصة شباب وفتيات ريادة الأعمال. لا تكمن الفرص في الريادة التقنية فقط أو في المشاريع التي لا تحتاج إلى العمالة، بالعكس تماما. تبدأ الفرص من الاحتياجات الضرورية والاستهلاكيات التقليدية. المجتمع اليوم في حاجة إلى منتجات وخدمات تكسب الثقة وتستجيب للاحتياج، بدائل حقيقية لما كانت تقدمه لنا العمالة الوافدة منذ عقود. الابتكار والتطوير يجب أن يكونا أولا في إعادة تقديم هذه الخدمات الأساسية بما يتطلع له الكل، ليس في برمجيات أو خدمات هي مجرد اكسسوارات معرفية في دنيا الضروريات.

لن يستغل الشاب هذه الفرص الجديدة بطريقة الإحلال المباشر. ولن يكون التغيير هنا مجرد تبادل للأدوار بين شخص غير نظامي يوشك على الاختفاء وشاب يحاول صنع ثقافة إيرادية جديدة. استغلال هذه الفرص يعني انقراض دور سلبي معقد وولادة أدوار جديدة يقوم بها أفراد يملكون الذكاء وتوافر المصادر والحيوية، وفوق هذا كله دعم الجميع. زيادة الفرص لا تعني قلة التحديات، التحديات موجودة، بل هي في ازدياد.

الضغط التنظيمي والبيئي الموجود يوجه الشاب نحو خيارات ريادية لا تعتمد على العمالة، لكنها لن تصنع الوظائف كذلك. في النموذج المثالي يقوم الشاب بمشروع يصنع قيمة عالية تمكنه من توظيف سعوديين بمرتبات معتبرة، يخرج هذا المشروع منتجات ذات قيمة عالية، يعتاد المجتمع على ذلك ويطالب به ويقدّره كذلك. نعم هذه مجرد صورة مثالية، لكننا لن نقترب من القيمة في أي طريق آخر لا تكون هذه الصورة المثالية نهايته التي ننظر إليها.

حاجة المشاريع إلى العمالة تشكل تحديا كبيرا لرياديي الأعمال، وهي في حاجة إلى جهود المنظم تحفيزاً وتسييرا. الرهان اليوم في دفع الشاب نحو مواطن صنع القيمة، وليس في توريطه بالتمويل أو استغلاله بالاستعراض على حسابه. تقديم ما يحتاج إليه المجتمع من ضروريات ومنتجات أساسية بصورة مغايرة للمعتاد، بدمج الحاجة مع التقنية، بصنع الفارق وتأصيل العمل الإيجابي المفيد هو ما يحقق المنفعة لكل الأطراف، مالك العمل، وموظفيه، والعميل، والمجتمع.

 

* نشر بالاقتصادية بتاريخ 19 أبريل 2013

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: