منظمات خائنة وجماهير يتيمة

 

بين الجماهير التي تحاول أن تعيش، والنخب التي تحاول أن تزيد من ثرواتها حيز مملوء بالتعقيد. يسمح هذا التعقيد بتفشي الاستغلال والظلم؛ لأن المعرفة والقوة تتاح لطرف ولا تتاح لآخر. لهذا تلجأ الجماهير إلى من يمثل مصالحها، وإلا ستكون مغلوبة على أ يحاذيها الخير ولا تناله، وقد لا تعلم عنه من الأساس. وهذا لا يعني أن الجماهير التي تملك تمثيلاً أو مندوباً أو مُقرِراً عنها أفضل حظاً ممن لا يمثلهم أحد. فهناك كثير من الشواهد التي تنتدب أو توكل فيها فئة من الجماهير شخصية اعتبارية أو معنوية لتمثيل مصالحها، ثم لا تقدم لهم حتى أدنى الطموحات، بل قد تستغلها وتنتهك طيبتها وبساطتها.حتى لا يتأذى أحد هذه الجماهير من محاولات الكسب والاستغلال الشرسة، تبنت الدول والمنظمات الدور الذي يسمّى: حفظ مصالح العامة. وهذا بالمناسبة جزء من المصلحة العامة نفسها التي تشمل أكثر من المصالح المباشرة للأفراد، كثروات المكان واحتياطات الزمان. هذه الأدوار هي بطبيعة الحال جزء من مهام أي قيادة، تحملها المنظمات ويديرها مسؤولو هذه المنظمات وتبلغ المسؤولية حتى الأفراد أنفسهم.

أحد أقرب الأمثلة لهذا الدور المهم، أي حفظ مصالح العامة، يحدث عندما تخضع إحدى الجهات للتخصيص. لاحقاً، تتحول الشركة الخاصة الجديدة، التي قد تملك الدولة بعض أسهمها ويملك مستثمرون بقية الحصص، إلى محتكر. وبالتالي، تفقد السوق عدالتها! ثم يتم التوجيه، تصحيحاً، بكسر الاحتكار عن طريق بيع مزيد من الرخص وصنع المنافسة لهذا المحتكر. هنا، تمت حماية المصلحة العامة مرتان، كل مرة بتنظيمٍ جديد.

وتبعاً لذلك، قد تنشأ هيئة أو جهة مركزية لتمرير مزيد من هذه التنظيمات، وبالتأكيد ستقوم بما يتطلبه الأمر من رقابة ومتابعة وما إلى ذلك من مهام. ستصبح هذه الجهة الجديدة هي المسؤولة عن حماية مصالح العامة، أي الأطراف الأخرى الأضعف صوتاً والأقل ظهوراً إضافةً إلى بقية الأطراف، بتطبيق الأنظمة ونشر العدالة.

لكن ماذا يحدث على أرض الواقع؟ في الحقيقة، تمثل هذه الصورة النموذجية التي تحاول حل هذا النوع من المشكلات مجرد صورة نموذجية! في التطبيق تختلف الأمور كثيرا. لا تزال المصالح الخاصة تؤثر وبشدة في تحقيق المصلحة العامة. يشبه المؤتمن على مصالح الجماهير كافل اليتيم؛ إذ يعتني بمصالح الأضعف الذي يحتاج إلى من يتبنى موقفه ويتفهم رغباته. وإذا لم يقم هذا المؤتَمن (الهيئة أو المنظمة) بهذا الدور ـــ أي حماية مصالح العامة ـــ كما يجب، يصبح خائناً لنفسه ولليتيم كذلك!

الفروق بين الدول المتقدمة والأخرى الأقل تقدماً لا تكمن في معدل انتشار هذه الخيانة فقط، بل في إمكانية تحييدها واكتشافها أو حتى استيعاب وجودها. قبل أيام عدة تم حل هيئة الخدمات المالية البريطانية وتوزيع مهامها بين منظمتين جديدتين؛ وذلك لأن هيئة الخدمات المالية فشلت في نظر القيادة البريطانية في حماية المصلحة العامة بالطريقة المثلى. التنظيم الجديد سيجعل المهمة أكثر تناسقاً ويزيد فرصة تحقيق المهام على الوجه المطلوب. يحصل هذا التغيير الجذري على الرغم من أن هذه المؤسسة لم تفشل بالكامل وهي تعد من أقوى الجهات التي تنظم الخدمات المالية على مستوى العالم. لو افترضنا وجودها في دولة أقل تقدماً، فهي ستستمر على الأرجح لعشرات السنين حتى يُعلن الخطأ، وعشرات السنين الأخرى ليُعالَج. وهذا كله بالطبع على حساب: المصلحة العامة.

لم يفت على بال منظري الاقتصاد السياسي الطرح في هذا الموضوع، فكانت هناك نظرية الأسْر التنظيمي أو (Regulatory Capture). تشير هذه النظرية إلى الحالات التي تُكلَّف فيها منظمة ما بحماية مصالح العامة، لكنها تقوم بحماية مصالح الطرف المتجني والمتنفذ، فهي تقع أسيرة للطرف الذي تحاول حماية الآخرين منه. يقود تفاعلها إلى التأثر بالطرف الأقوى على حساب الطرف الأضعف، أي عكس ما يجب أن يحدث بالتمام. وذلك لأن الأقوى مؤثر وحاضر دائماً، والأضعف غائب وصامت وقد يظهر راضياً كذلك. وهكذا تميل خطوط العدالة، وتُصنع المبررات المتنوعة لأن طرفا ما يملك المادة والمعرفة، وآخر لا يملك أيا منهما، فلا حجة له يظهرها ولا فكرة معه يشرحها ويؤثر بها.

تشير الحالات الموثقة إلى أن هذا النوع من الظلم يزيد في قطاع الخدمات العامة، والخدمات الضرورية التي يوفرها القطاع الخاص، إضافة إلى مجالات استهلاك الثروات الطبيعية التي يملكها الجميع. على سبيل المثال، هناك عديد من الحالات في الولايات المتحدة في مجالات الطيران والبيئة والخدمات المصرفية وحدثت في كندا في مجال الاتصالات وفي اليابان في الصحة. تقل كثيراً فرصة التوثيق لمثل هذه الحالات في البلدان الأقل تقدماً، على الرغم من أنه لا يصعب البحث عن حالات تتوجه فيها المنظمات ـــ التي يجب أن تكون ”محايدة” ـــ إلى ما يخدم المتنفذين بأنواعهم.

تخون المؤسسات والمنظمات عندما تقوم بما يعاكس أهدافها الصريحة المكتوبة بأسلوب يستغفل أو يستغل الجماهير. لا يصعب في الحقيقة ملاحظة عديد من الثروات والبرامج التي تُهدَر أو تنتهي بلا قيمة للجموع، وتذهب نتائجها للنخبة. لكن يصعب إثبات الخطأ أو محاربته أو حتى كشفه للعلن. المعضلة هنا، أن فعل الخيانة يظهر للجميع في صورة عقود واتفاقيات، بل حتى تشريعات وقرارات نظامية، لذا يتذرع الطرف المتجني بمبرر ”النظامية”، بل قد لا يشك ذاتياً في سلوكه. في النهاية، لا تشكل هذه المنظمات وحتى الجماهير إلا محيطا يتعاظم فيه الظلم بتوجيه شخص متنفذ إلى آخر ضعيف.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 12 أبريل 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى إدارة وتحفيز, اقتصاديات وطن, الفساد, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 1 day ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: