الربح لنا والخسائر للجميع!

”عندما تتزايد الأرباح تنتهي المشاكل” كلا، هذه العبارة ليست صحيحة. الأحرى أن الصياغة الأفضل هي : ”عندما تتزايد الأرباح تُخفى المشاكل”. الواقع يشير إلى أن السلبيات ـــ من تدني القيمة وحتى الاختلاسات العظيمة ــــ تكثر في أوقات تدفق الأرباح، وحينها يسهل كذلك إخفاؤها. هذه المسألة لها الكثير من الأمثلة المعاصرة، خصوصاً ما تم توثيقه من قصص الشركات الكبرى العالمية، عندما يكتشف الجميع أن المشكلة لم يلاحظها أحد لسنواتٍ طويلة، لماذا؟ لأن الأرباح كانت مستمرة.

هناك دافع قوي ومبرَر يقول لك: إذا كنت تحقق الأرباح فمن الأفضل ألا تغير شيئا في طريقة العمل. هذا مما يدور حوله النقاش عادةً بين مسؤولي المنشآت الناجحة تجارياً، حيث تنتهي النتيجة إما بنجاح وتوسع أو حالة تستدعيك لترديد المثل المحلي الذي يقول: ”جا يكحلها عماها”. فالأفضل ــــ حسب المثل ـــــ أن تترك العين على حالها ما دام أنها ترى.

كيف تؤثر الأرباح المتزايدة والمستمرة بطريقة سلبية؟ وماذا يجب أن نفعل حيالها في سياق تحديات وتعقيدات اليوم؟

كثرة الأرباح والمداخيل مدمرة لفطرة الحرص والضبط عند الإنسان. وهي كذلك تمثل عامل تشويش كبيرا على اتزانه الأخلاقي، وهذا مما قد يهدد وجوده أو فرص تطوره وتكيفه. إذا نظرنا اقتصادياً إلى فرصة حدوث هذه الظاهرة من حولنا، نجدها تتكرر على أكثر من مستوى. فهي تبدأ من المنزل حين نغدق ”الصرف” على المراهق المتطلب، وتستمر كذلك في مشروعنا الصغير الذي يديره الوافد ونصمت عنه ما دام يحضر ”المقسوم” كل شهر. وهي كذلك موجودة في الشركات المساهمة التي تستمر أرباحها الضخمة وتقل الانتقادات الموجهة لها من المساهمين تبعاً لذلك، ولو كان هناك ما يستحق الانتقاد. حتى في اقتصادات الدول، تتقافز المداخيل أحياناً وتُصرف في البنى التحتية والمشاريع المتنوعة بأرقام غير مسبوقة في منافسة قوية بين البناء والفساد.

المشكلة ليست فقط في احتمال إخفاء عملية إجرامية لا نراها بسبب غطاء الرضا الخدّاع الناتج عن هذه التدفقات النقدية المؤقتة، وليست في تنامي بيئة مشجعة للفساد ومثبطة لأنظمة التصحيح والمراجعة التي في حد ذاتها لا تخرج إلا من بطون الأزمات. كلا، المشكلة أكبر وأخطر من ذلك.

المشكلة الحقيقية التي تخفيها الوفرة المستمرة للأرباح هي أن الجميع يعتاد على سلوكيات منعدمة القيمة لا تسهل ملاحظتها. هي لا تمثل فساداً مباشراً ولكنها تروج في بيئات الثراء المادي، وقد يصبح أثرها العام أسوأ من اختلاس أحدهم أو فساد البعض. تظهر هذه السلوكيات مبكراً بمجرد ظهور التدفق المتزايد للأرباح وتزيد باستمرار حالة الرغد والرخاء، ولا تنتظر حدوث فساد أو جريمة مباشرة ليتم تحفيزها وتنشيطها. لذا لا ينتبه لها أحد، وإذا تنبه لها البعض أنكر وجودها الآخرون، لأنها بكل بساطة لا تتقمص الدور السلبي الذي يسهل إنكاره.

قد تتحول هذه السلوكيات إلى فسادٍ عام وظلمٍ عظيم حين يتقبل المجتمع النقاش والتفاوض حول الخسائر، ولكنه يُمنع من التدخل عندما تستمر مؤسساته في جني الأرباح. وهذا ما حصل أخيرا في الأزمة العالمية الأخيرة عندما دعمت الحكومة الأمريكية كبرى المؤسسات المالية. ذكر حينها بعض المحللين أن ما قامت به الحكومة ليس إلا إجباراً للشعب على تحمل خسائر الـ ”وال ستريت”، في حين لم يتفاوض أحد مع الشعب حينما كانت الأرباح تتدفق إلى جيوب التنفيذيين والمستثمرين. وهذا يطابق تماماً ما قاله الرئيس الأمريكي أندور جاكسون (ت 1845م) في وصفه البنوك الفاسدة وكأنها تقول: ”الربح لنا، والخسائر للجميع”.

لو افترضنا أن هناك مصنعاً في قرية يعمل فيه سكانها. يشتري المعادن من خام مناجمها ويبيعها بعد المعالجة للمدن الأخرى القريبة، وبالتأكيد يربح ملاكه. إذا أتاه عملاء دوليون وتحصل على تقنية حديثة تستغني عن العمالة وأصبح يأخذ معادن المنطقة ويبيعها حول العالم ولا يوظف أهل القرية، ستصبح أرباحه على الأرجح أكثر من السابق. من المرجح هنا أن تصويت الملاك لن يأخذ في الاعتبار الأثر الاجتماعي في سلوكيات المصنع الجديدة، بل قد يتغاضى عن بعض الاعتبارات الأخلاقية، ما دامت الأرباح مستمرة وجيدة. ولكن، قد يصوّت الملاك بطريقة إيجابية ومغايرة إذا كانوا من نفس أهل القرية، حيث يعايشون الضرر كل يوم.

الربح الحقيقي يكمن في فهم وصنع القيمة بين الأطراف المرتبطة، من المستثمر والمدير وحتى المورد والعميل، بل يشمل كذلك الفئات الأخرى التي تستفيد من المسؤولية الاجتماعية للجهة الصانعة للربح. الربح النقدي ليس إلا مؤشر لهذه القيمة يعكس حصولها ويسهّل تداولها. إذا انقطعت العلاقة بين الربح النقدي والقيمة، وسيتضرر كل طرف من هذه الأطراف، ظالماً أو مظلوما.

التنظيمات الحديثة المتعلقة بالحوكمة والشفافية تشجع على المزيد من التوافق حول رغبات هذه الأطراف التي تربط القيمة بالربح والخسارة. ولكن، لا يتجاوز تأثيرها ”رغبات” الأطراف هنا ”وهي أهداف العمل نفسه”. فإذا قصرت أو تواضعت الرغبات والتطلعات، سيتواضع كذلك تأثير هذه التنظيمات.

تتعاظم المسؤولية اليوم بعد الكشف المعرفي الذي يحصل حولنا. وقد تصبح أوسع من مجرد محاربة الفساد أو حتى التأكد من فعالية آلة صنع الربح في تلك المنشأة أو ذلك التنظيم، بل تصل إلى مسؤولية اجتماعية فردية متبادلة تذهب إلى أهداف أعلى من مجرد الربح. مسؤولية تبحث عن القيمة وتملك القدرة على الشك الموضوعي حتى في الربح نفسه. تبحث عن ذلك القدر من البذل الذكي الذي يضمن وصول الجميع إلى تطلعات عادلة، ويمنحهم كذلك الفرص العادلة لتحقيق هذه التطلعات.

 

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 22 مارس 2013

نبذة

Contributor

أرسلت فى محاسبة للمحاسبين, اقتصاديات وطن, الفساد, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 2 days ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: