المحاسبة ليست أرقاما فقط

يعيش الإنسان في حياته في محاولات مستمرة لتحقيق أهدافه، ويقوم خلال كل مرحلة بتقييم ومراجعة ما حققه من هذه الأهداف. هو يمر عملياً بدورة يخطط ويرسم فيها أهدافه ثم يراقب ويراجع أداءه حتى يعود ويصحح ما فعل، أو يأخذ نتائج ذلك في الاعتبار للمقبل من حياته. وهذا يشبه ما تقوم به المحاسبة المالية بمعناها المعاصر وإن كانت محصورة بين القياس والتقرير، حيث تترك تحديد الأهداف واتخاذ القرارات إلى المستفيد من المعلومة المحاسبية. وخلال العقود الماضية، تطورت تطبيقات المحاسبة وزادت في الضبط والتقنين. كيف ستكون الصورة إذا حاولنا الاستفادة من قواعد وممارسات المحاسبة المالية في حياتنا الشخصية، هل هذا ممكن؟

إذا نظرنا لفكرة المحاسبة مجردة من كل ذلك، نجد أنها تعتمد على ثلاثة: التعرف على الواقع، إعادة عرض ما تم التعرف عليه، والتجاوب الإيجابي مع ما تم عرضه. وهذا يتجلي في كل مفاهيمها وتطبيقاتها المختلفة، التي وصلت اليوم إلى مرحلة متقدمة من التطور. فهل تصلح أفكار المحاسبة، بنظرياتها وتطبيقاتها، عطفاً على ما وصلت إليه من تطور وتركيز إلى إرشادنا إلى الفوائد خارج نطاق المحاسبة نفسها؟ هل يحوز هذا الفن، والعلم والتطبيق، على ما يؤهله للتأثير الإيجابي خارج دائرة الأعمال والنقود؟!

المحاسبة…وأدوارك التواصلية

تعتبر المحاسبة وسيلة للتواصل المتخصص بين عدة أطراف، أحد هذه الأطراف يصنع الحدث وآخر يتلقاه ويتجاوب معه. في حياتنا نحن لا نخرج عن أحد هذين الدورين دائماً، فإما أننا نصنع الأحداث، أو نتجاوب مع أحداث يصنعها الآخرون. وكما يضطرب أداء المحاسبة المالية إذا تداخلت أدوارها، فالتواصل في حياتنا حول ما لا يخصنا لن يزيدنا إلا تشويشاً وفوضى. من المهم دوماً أن نتأكد مِن الدور التواصلي الذي نؤديه وكفاءة أدائنا لهذا الدور.

الواقعية وإعطاء الأعذار للآخرين

يشير تقرير مراجع الحسابات إلى كلمات مثل: ”نواحي جوهرية” و”تقديرات معقولة”، أي ليست شاملة ولا أكيدة، لأن المحاسبة تقوم على مبدأ بسيط ومهم يتمحور باختصار حول القيام ”بأفضل ما يمكن فعله”. لا تعرض المحاسبة الحقيقة المطلقة، ولكنها تحاول بشتى الطرق الاقتراب منها، وتقوم بذلك بالمقاربة بين ما هو ممكن وبين ما هو مفيد. الحياة في كل شؤونها لا تخرج عن هذا، نظرياً وتطبيقياً، وإدراك هذا النوع من الأفكار يعني اقتراب أكثر من الواقع. التيقن من نسبية التأثير والفهم من حولنا والاعتراف بذلك مهم بلا شك، ولا يمنع ـــــ كما نرى في المحاسبة ــــ من الحرص على الوصول إلى النتائج والأهداف المطلوبة.

المحاسبة تتوخى الدقة والحذر، ولكنها تعترف كذلك بهامش الخطأ المتأصل في طبيعة عملياتها وهامش الخطأ الناتج من أداء الآخرين. الاعتراف بهامش الخطأ الذاتي والخارجي وعلى المستوى الفردي والجماعي ــــ خصوصاً بعد بذل الجهد ـــ يمكننا من إعطاء الأعذار للآخرين، والتوقع المنطقي للنتائج، وبث المسامحة والإيجابية، وتوليد النية الحسنة بين الجميع.

جودة قراراتنا

ناتج المحاسبة، معلومة محاسبية. ولتقييم جودة هذه المعلومة ومدى فائدتها للمستخدم ينظر إليها بعدة معايير، من أهمها الملائمة والموثوقية. فالمعلومة إذا لم تكن ملائمة لن نستفيد منها، وإذا لم تكن موثوقة لن يتم الاعتماد عليها على الأرجح. وهذه العناصر تتناول سؤالين مهمين نكاد نواجههما في كل قرار في الحياة. السؤال الأول: هل فعلا أحتاج لهذا؟ (هل يلائمني؟ هل أريده؟) والسؤال الثاني: هل أثق به؟ (هل أعتمد عليه؟ هل يؤدي الغرض المطلوب في الوقت المطلوب؟ هل الاستعانة به ممكنة والاستفادة منه واردة؟!). بلا شك، ستصبح قراراتنا أفضل إذا قمنا بتقييم جودتها باستمرار باستخدام عناصر كالملائمة والموثوقية.

ترتيب وسيطرة

فقدان السيطرة على فوضوية الحياة وتعقيداتها أحد أهم مسببات انخفاض الإنتاجية. وفي بيئة الأعمال تواجه المحاسبة مشكلة مشابهة، فالمطلوب منها هو متابعة مجموعة مستمرة من العمليات المعقدة والكثيرة. ولكن المحاسبة تستخدم مبدأ الدورية، حيث تقوم بمهامها بطريقة منتظمة مقسمة على فترات زمنية محددة. وهنا درس مهم في السيطرة على الكثرة والفوضى والاستمرارية. تصنيف وترتيب وتقسيم أمور الحياة وعناصرها وتعقيداتها أمر مهم وجوهري، فهناك ما يستحق التجاهل، وهناك ما يتطلب التعاطي اللحظي والمباشر، والبعض الآخر يستحق أن يكون في أعلى جدول الأولويات. وهذا مذكور في النصائح التي تتعلق بإدارة الوقت والمهمات، حيث تدعو إلى النظر إلى الحياة كاملة ثم تقسمها إلى مراحل من سنوات وأشهر وأسابيع وأيام وهكذا، تماماً كما تفعل المحاسبة لحياة المنشأة.

الأهداف قبل كل شئ!

تمثل رغبات المستفيد من التقارير المحاسبية، نظرياً، أهداف المحاسبة. أي أن المحاسبة تسعى لتحقيق فائدة يطلبها في الأساس شخص معين (مستثمر أو ممول مثلاً). إذا تعقد العمل التجاري يتعقد الإجراء المحاسبي، وهنا تظهر أهمية الحرص على عدم الحياد عن هذه الأهداف، لأن التعقيد يجعل الالتزام أصعب. وفي الواقع، تحيد تطبيقات المحاسبة اليوم عن أهدافها بسبب بعض الأخطاء المقصودة وغير المقصودة. لا تختلف المسألة في بقية شؤون الحياة. فهي مليئة بالتطبيقات التي تندفع باتجاه رغبات القائمين عليها وتتأثر بتعقيداتها المختلفة. قد يسهل تحديد الأهداف التي تُبنى هنا، ولكن يتطلب الحفاظ على هذه الأهداف المزيد من الجهد.

المحاسبة ليست أرقاما فقط، بل هي فكرة أصيلة تطبق في الدنيا والآخرة. وفي العقود الأخيرة تم تطوير إحدى صورها لتحقيق مجموعة من أهداف الإنسان الاقتصادية، وأخيرا الأهداف المجتمعية كذلك ـــ مع تطور الحوكمة وتطبيقات الحسبة. وبكل تأكيد تحتوي قواعدها ومفاهيمها على العديد من الأفكار الجيدة التي تستحق الفهم والتعلم.

 

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 14 مارس 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى كيرفكري, محاسبة للمحاسبين, محاسبة ومالية, إدارة وتحفيز, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع, تطوير مهني, حسابات الريادة
One comment on “المحاسبة ليست أرقاما فقط

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: