حتى لا تذهب سيول «الدعم» إلى البحر!

يصب دعم مشاريع الشباب والعمل الحر في شرائح عدة، وتستقل هذه الشرائح عن بعضها وقد تتداخل أحياناً، إما بسبب طبيعتها أو لعدم وجود تعاريف واستراتيجيات واضحة لدعمها. قد نقول ريادة أعمال فقط، أو ريادة أعمال تقنية، أو مجتمعية، أو نقول مؤسسة ناشئة وصغيرة أو عمل حر أو مشاريع الشباب أو أسر منتجة، وكلٌّ يختلف عن الآخر. هذا الدعم كالماء، يُجدِّد ويُقوّي ويبعث الحياة في قطاعات الأعمال والمجتمع. لكن، أين يذهب اليوم يا ترى؟ وكيف يستفاد منه؟

يستجيب الدعم الموجه لكل شريحة من هذه الشرائح لحالات محددة وله نتائج محددة كذلك، في حالة نجاحه! على سبيل المثال، دعم ريادة الأعمال يشمل التحفيز على كسر بعض الحواجز النفسية ويستغل شغف وإصرار الريادي على التحدي والابتكار والنمو. يُدعَم الامتياز التجاري، في الجانب الآخر، بترويج الاستنساخ المقنن لنموذج تجاري ناجح لتستفيد منه أطراف محددة. إذا قمنا بمقاطعة كل هذه الشرائح مع قطاعات الأعمال المختلفة وبدأنا في عملية الدعم، سنخرج بعشرات الفرص التي تولّد الكثير من الوظائف، لكن، سننتهي كذلك إلى عشرات التجارب الأخرى التي تولد ”القليل” من الوظائف! سنخرج بفرص تصنع طبقات جديدة من المعرفة وفرص تعيد استهلاك معرفة موجودة. سيخرج لنا ما يُعتبر إضافة نوعية للإنتاج المحلي، لكن قد تنتشر مشاريع تفتقد أي قيمة اقتصادية حقيقية.

إذن القضية واضحة جداً هنا، يجب دعم وتحفيز ما يستفيد منه الاقتصاد والمجتمع وتجنب دعم وتحفيز ما لا يستفيد منه الاقتصاد والمجتمع. والأخير يشمل بالضرورة هدر الوقت والمال في دعم الأعمال التي تُخرِج لنا فائدة محدودة في وجود ما ينتج فوائد أكثر. وهذا يتحقق بالذات في جانبي: توليد الوظائف وتوزيع مصادر الدخل، لأهميتهما الاقتصادية في الوقت الجاري. على سبيل المثال: دعم نموذج الريادة (أ) يولد وظيفتين، وبالظروف نفسها، دعم نموذج الريادة «ب» يولد عشر وظائف. إذن دعم النموذج (أ) هو هدر في الوقت والمال والإمكانات إذا كان يحل محل دعم النموذج (ب).

تحديد مجالات الدعم وآلياته ليس مما يُخلق بالظروف، إنما هو موجود وملاحظ على المستوى المحلي وبخطوط تتضح أحياناً وتتداخل في أحايين أخرى، لكن لا يوجد ما ينص عليه في استراتيجية واضحة مكتوبة أو محددة معلنة. هناك جهة تدعم الريادة التقنية وأخرى تدعم المشاريع المهنية، ومجموعة جهات تمول المشاريع الصغيرة ومجموعة أخرى تنظم بعض برامج الأسر المنتجة. إضافةً إلى ذلك، يختلف نوع الدعم المقدم في كلٍّ من هذه الجهات، القليل منه يرتقي للاحتضان والمشاركة والتأهيل وأكثره دعم تمويلي مباشر.

ولأن هذه المجالات متفرقة نوعاً ما فإن التأسيس المنتظر لهيئة المشاريع الصغيرة والمتوسطة لن يحل هذه المشكلة التوزيعية، لأن هذه الهيئة وحسب اختصاصها ستكون معنية بتنظيم وتوجيه الدعم لشرائح محددة ولن تدعم كل مشاريع الشباب بأنواعها، وهذا مما سيُحدَد بوضوح بعد خروجها المنتظر. على سبيل المثال، تعد خاصية التوسع والانتشار (Scalability) من أهم الخصائص المرتبطة بتوليد الوظائف، وهي خاصية ترتبط بحجم المشروع. وحجم المشروع، كمحدد رئيس لاختصاص الهيئة، متغيّر مرتبط بالنمو. وهذا ما قد يشير إلى أن نمو المشروع يعني خروجه من مظلة الهيئة. إذن هنا ينبغي وجود عملية تسلُّم وتسليم – أو إنهاء – مرنة للدعم، أو سنفقد القيمة الاقتصادية المنتظرة في تمام اللحظة الحرجة.

المسألة ببساطة هي أننا قد نقوم بدعم ريادة الأعمال التقنية وهي لا تصنع الكثير من الفرص الوظيفية – مقارنة بأشكال أخرى من ريادة الأعمال. نحن نقوم كذلك بدعم المؤسسات الناشئة وهي ذات مخاطر مرتفعة، وقد لا تمثل النموذج الأمثل لممارسة العمل التجاري والعمل الحر في وجود معوقات اجتماعية وتنظيمية استثنائية ووجود أجنبي مسيطر. نحن كذلك ندعم بعض قطاعات المشاريع بدعوى أنها مبتكرة، لكنها في الحقيقة مشاريع ينقصنا حولها الكثير مع المعرفة، والابتكار في غياب المعرفة – الموجودة في أماكن أخرى – ليس إلا تضييعاً للوقت. في الجانب الآخر، نحن نتجاهل ما نعرف من مشاريع وصلنا فيها إلى قدر جيد من الخبرة وهي تمثل بكل تأكيد أفضل فرص الابتكار والتجديد والنجاح.

جميع قطاعات وأنشطة الأعمال في حاجة إلى الدعم المستمر لتحفيز القاعدة الاقتصادية على النمو والاستقرار. لكن هذا لا يعني أن يكون توزيع الدعم عشوائيا أو حسب ضغوط تحقيق النتائج المستعجلة، فهذا أكثر ما يبعدنا عن القيمة التي تبحث عنها هذه البرامج من الأساس. المطلوب وجود خطة وطنية شاملة لزيادة فعالية وكفاءة الأعمال بجميع أشكالها. تحدد هذه الخطة تفاصيل المجالات التي تتطلب الدعم وتحدد الجهات المسؤولة عن إدارة هذا الدعم وآليات تنفيذه، والأهم طريقة توزيعه، كماً ونوعاً. وهذا بطبيعة الحال يستدعي وجود آليات مراجعة واضحة ترتبط مباشرة بالأهداف التي وجدت لأجلها هذه البرامج، وتحديداً: توليد الوظائف وتوزيع مصادر الدخل. الدعم كماء السيول الذي يكثر في سنوات الخير والرخاء وسيختفي حتماً في سنوات الجدب والشدة، إن لم يُستفد منه ويُستغل بحسن إدارة القائمين عليه، فهو بلا شك في طريقه إلى البحر، حيث تستفيد منه فئات تتخصص في الانتظار والترصد خارج دوائر الأهداف والاستحقاقات.

* نشر بالاقتصادية بتاريخ  8 مارس 2013

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى محاسبة ومالية, اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, حسابات الريادة, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬817 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: