قبيلة حسب الطلب!

قبيلة؟! مرة أخرى؟

تجربة بناء دائرة إيجابية تحيط بنا وتحفزنا (أو شبكة علاقات) كانت موجودة لدي – ومازالت تتطور- ولم تلفت انتباهي طريقة لطرحها إلا بعد أن مررت على تدوينة (للمدون: “جون”، الرئيس التنفيذي السابق لموزيلا) عن بناء العلاقات الإيجابية على المدى الطويل، وهي باللغة الإنجليزية (مررها في تويتر عمار بكار عن طريق عبدالرحمن طرابزوني). تتحدث هذه التدوينة عن صنع شبكة من الأصدقاء والمعارف يقومون بدفعك نحو تحقيق الأهداف، يسمي المدون هذه الشبكة: “قبيلة”، فهو يعتبرها خليط بين شبكة التواصل المهني وبين المجتمع الأكبر، فكرته بإختصار هي أن القبيلة، أو هذا الخليط، قابل للتصميم والإدارة والاستغلال.

شجاعة أم وقاحة؟

تنقلت أنا شخصياً خلال تجاربي المتنوعة خلال أكثر من مرحلة من التحفيز والتعلم، أثر علّى خلال هذه المراحل شخصيات متعددة (أقارب، زملاء مهنة، أصدقاء) وبدون مبالغة كان أكبر أثر أجنيه يأتيني دائما من الأشخاص الذين أقترب منهم (أو أتركهم يقتربون مني) بنيّة التعلم، خصوصا من هؤلاء الذين أبادر أنا بالاقتراب منهم مقاوماً الحرج المصطنع أو أوهام اللباقة التي تجعلنا نُحجم عن الكثير من الفرص. كانت هذه القاعدة الأولى: المبادرة بالتعرف والتواصل مع من أتوقع بأنهم سيكونون مفيدين لي في المستقبل. قد يتحرج البعض هنا ولكن بكل اختصار: الشجاعة مطلوبة. الأدب واللباقة أسلحة – ولا يمكن أن يكونا عوائق – في طريق الجرأة والمبادرة بإيجابية. الوقاحة والتجاوز على الأخرين خط أحمر نعم، ولكنه عادة ما يكون بعيد جدا عن العلاقات الإيجابية، فهذه الأفعال النقية ذات السريرة النظيفة والمظهر النافع لها كيمياء أنيقة جذابة تتجلى فيها الفرص لمن يبحث عنها.

واحد مبادرة، إثنان تعزيز!

بعد أن تبادر بالتعرف على فلان من الناس وتنجح في ذلك ستشعر بالكثير من السعادة والإرتياح (بالمناسبة التعود على هذا السلوك سيجعل مظهرك أكثر انفتاحا وسترى أن الجيدين والإيجابيين سيبادرون كذلك بالاقتراب منك). ولكن مجرد المبادرة لا تكفي، وكما يشير “جون” في تدوينته: “لا بد من تعزيز هذه المبادرة”. بناء العلاقة الإيجابية طويلة المدى- أو بناء القبيلة القوية- يتطلب تعزيزا وتكرارا للجهود، وبالتالي الاستثمار فيها وجني عوائد هذا الاستثمار لاحقاً. كل فرصة تسنح لك لتقوية العلاقة مع أطراف قبيلتك الجديدة، يجب أن لا تفوتها. هذه السياسة هي قلب القبيلة، هي محورها وهدفها. الشبكة التي تقوم بتعزيزها ستمتد أفقيا (فهذا الشخص سيعرفك على أمثاله من الجيدين إذا وثق بك) وستتعمق طوليا (حيث تزداد فرص عقد الصفقات والتعاملات مع أفراد القبيلة) وبالتالي اكتشاف جوانب آخرى من شخصياتهم وسلوكهم تنال على إثرها قوة أكبر لقبيلتك.

حدد مجال، حدد هدف

النقطة الأهم، والميزة الكبرى هنا، هي أنك تستطيع اختيار قبيلتك كما تريد. فلن تجد نفسك في قبيلة ما، ولن تكون بلا قبيلة. بل هناك فرصة لصنع قبيلتك بناء على رغبتك فقط! (قبيلة حسب الطلب)، بناء على احتياجك انت، وبناء على توقعاتك وآمالك المستقبلية. ولكن كيف يكون هذا؟ بكل بساطة، حدد مجال معين أو عدة مجالات تريد أن تهتم بها خلال السنوات القادمة، ثم إبدا بصنع شبكتك حول هذه المجالات بالتواصل وبناء علاقاتك مع شبكة المهتمين والخبراء والعارفين والمنتمنين لهذه المجالات. وبالتأكيد، سيدور هذا المجال حول مهنتك أو تخصصك، ولكن هذا لا يمنع (بل أرى من الضروري) أن يشمل تصميم هذه القبيلة مجموعة من المحفزين الملهمين الذي يتم اختيارهم بعناية ولو لم يجتمعوا معك في نفس الاهتمامات. مثل هؤلاء يشكلون الوقود الذي تحتاجه للمضي في هذا العمل.

هناك دوما عوائق

لكي تصنع قبيلة (أو شبكة من العلاقات) في مجالات محددة ستواجه الكثير من العوائق، ولكن هناك دائماً حلول. مثلا: لن تجد طريقة للوصول للشخص المثالي بسهولة. لا مشكلة، تستطيع دائما استخدام حدسك وبعض المؤشرات الواضحة (كالتمييز والجدية) للوصول إلى شخص مرشح بأن يكون الشخص المثالي خلال عدد قليل من السنوات. عائق آخر: ستشعر بأن بعض من تنطبق عليه مواصفات عضوية هذه القبيلة هو في الحقيقة منافس لك! حسنا، التنافسية التي تراها في الآخرين هي في الحقيقة فكرة من صنعك، قد تكون حقيقية ولكنها لا تكون شاملة ومسيطرة أبدا. ماذا يعني هذا؟ يعني أنه من الممكن أن تصنع علاقات إيجابية جيدة تتبادل فيها المنافع مع منافسيك، بل قد يكونوا أصدقائك وأقرب الأقربين لك. المنافسة في كل الأحوال تكون ضمن إطار عملي محدد، إذا جاوزته في تقديرها فهذا يعني أن هناك مشكلة في التعاطي معها، وهذه مسألة خطيرة يجب حلها أولا بغض النظر عن إنشاء أي قبيلة!

جمال التواصل الإنساني

الكثير من قوانين التواصل الإنسانية الطبيعية ستتجلى لك وتعمل لصالحك بمجرد مبادرتك بإتخاذ قرارات صنع هذه الشبكة الإيجابية (القبيلة). ستمر مثلا بحالات كثيرة يكون التواصل فيها أشبه بتوارد الخواطر حيث تكتشف أن الطرف الأخر كان يرغب فعليا في نفس ما ترغب به، وهذا يزداد حدوثا كلما كانت قبيلتك أكثر ذكاءً (مبنية على اهتمامات مشتركة). من الطبيعي كذلك أن تقودك علاقاتك، إذا كانت مبنية بطريقة صحيحة، إلى علاقات أفضل- فتح الباب دائما يقودك إلى أبواب أكثر! وهنا سلوك إيجابي ذاتي تصاعدي يضاعف الفائدة من جهودك.

قرار فاعل ونتيجة جميلة

يصف “جون” نصيحة بروفيسور يدعى “توم كوسنيك” بأنها أقوى وأعمق درس تعلمه في هذا الخصوص، فهي تتمحور حول صنع قرارات فاعلة حول الأشخاص من حولنا، فهم يلهمونا ويشاركوننا قيمنا وأهدافنا. وإذا وجدناهم فإن من الأفضل دائما أن نستهلك المزيد من الوقت والطاقة في تقوية هذه العلاقات وتطويرها بحثا عن المزيد من الانتاجية. عملية البناء المستمر للقبيلة، التي تصبح تلقائية بالتعود، تستند على عملية بحث مستمر عن الأفراد الجيدين، ويتبعها دوما قرارات جرئية وفاعلة. في النهاية، يقول “جون” لقد استفدت بطريقة عظيمة من هذا الأسلوب، ليس مهنيا فقط، بل لتحقيق الشخص الذي أريد أن أكون، وأن أكون سعيداً كذلك! (وأنا بكل تأكيد أتفق معه أيضاً).

هناك المزيد (كتعزيز الربط بين الافتراض والواقع لتقوية قبيلتك) ولكن أحيله لتدوينه مستقبلية حتى لا تطول هذه التدوينة أكثر!

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى بوح و همس
4 comments on “قبيلة حسب الطلب!
  1. nanaseabood كتب:

    رائع واكثر من رائع داكتر فعلا نحتاج في كثير من الأوقات ان نتحلى بالجرأة المصحوبة بالأدب لانه عادة الفرصة لا ذهبت لن تعود وخصوصا الفرص التي تأتي على طبق من ذهب تذهب ادراجها مع الريح والسبب خجلنا الذي لا داعي له .
    وفكرة القبيلة جدا رائعة سأحاول ان أطبقها في ما أريد تنفيذه

    اكرر شكري وتقديري لك

    • طلال كتب:

      العفو، يسعدني مرورك هنا أيضا:) إذا طبقتي بعض النصائح ونجحت أعلمينا بالنتائج حتى نتعلم منها كذلك.

  2. كعادتك، مُلهم. تمنياتي لك مزيداً من النجاح.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: