الإبداع المؤسسي عند الفرد والأسرة

ماهو الإبداع المؤسسي؟

تشير عبارة ”الإبداع المؤسسي” إلى وجود بيئة تمكّن من الإبداع في محيط منظم ومحدد (كالشركات مثلاً). تقوم هذه الأفكار وغيرها من النظريات التطويرية المشابهة بالتركيز على بناء الفرد، لتحسين المنظومة التي يعمل فيها، وهذا ما يجعل الإبداع المؤسسي مثلاً فكرة ملائمة لتطوير الأسرة. لكن، لماذا يكون الإبداع المؤسسي مهما للفرد والأسرة؟ وكيف يتحقق؟ الإبداع لدى الأسرة يتجاوز مسألة التعامل مع الإبداع كضرورة تربوية لتنمية المواهب وتشجيع الأطفال على الإبداع والابتكار. صنع البيئة الإبداعية واستخدام مقومات الإبداع المؤسسي عند الفرد والأسرة كفيل بتغيير الكثير من النتائج، على مستوى أداء الأسرة -كمؤسسة صغيرة لها أهدافها وفرصها- أو على مستوى أفرادها.

لماذا نحتاج الإبداع المؤسسي للأسرة؟

قد يكون الهدف من الإبداع المؤسسي صنع مناخ عام محفز على الإبداع والابتكار، أو مجرد الحصول على المرونة الكافية للتعاطي مع المتغيرات السريعة. وفي أحيان أخرى يكون الهدف الوصول إلى نتائج محددة ومباشرة، كمحاولة صنع مبدعين جدد داخل المنزل أو تمكين مبدع موجود من الظهور بشكل أفضل واستغلال قدراته وتطويرها. وهذا ما يحصل مثلاً عند اكتشاف حالة توحد يكون فيها الطفل في حاجة إلى بيئة إبداعية تحترم استقلاليته وتمكّنه من تسخير طاقاته. للإبداع المؤسسي كذلك أدوار أخرى يتم فيها التركيز على القيادة ومهارات التواصل التي تصنع علاقات جديدة فعالة أو تقطع أخرى سلبية. وهذه من الأشياء التي تؤثر بشدة في الحالة العامة للأسرة، فيتغير هيكل التواصل المعتاد بين أطرافها مثلاً بصنع طرق جديدة للنقاش والمفاوضة واللعب والاسترخاء.

ماذايتطلب الإبداع المؤسسي؟

يقول كل من جيف موزي وريتشارد هاريمان في كتابهما Creativity, Inc. : ”إن صنع الإبداع المؤسسي يحتاج أولاً إلى الاستعداد للتفكير بطريقة إبداعية”. وهذا يعني، من وجهة نظرهم، حيازة العناصر التي تنقل الشخص من التفكير بطريقة تقليدية إلى التفكير بطريقة إبداعية، وبعد تحسين تفكير الأفراد يتم التخطيط والعمل على صنع بقية عناصر البيئة الإبداعية في المؤسسة. في الأسرة لا يختلف الأمر كثيراً، يشكل الوالدان القيادة العليا وهما بالتأكيد ضابطا التغيير والتجديد وعامل التوازن الأكبر. وهذه العناصر التي يتحدث عنها موزي وهاريمان هي في الأساس قيم ومعطيات شخصية، يتطلب من المنظمة نشرها والترويج لها، لبناء الموارد اللازمة للبيئة الإبداعية، وهي ما قد يحتاج الأب والأم إلى فهمه وإدراكه ثم نقله لبقية أفراد الأسرة.

الفكرة الأولى التي يجب أن يحرص على صنعها كل من الأب والأم في الأسرة، هي الدافع أو الحافز. الأب والأم في تحدٍ مستمر مع التحفيز، فهما مطالبان بصنعه للطفل – ولنفسيهما كذلك. وهما كذلك مطالبان بصنع الأجواء التي تصنع المحفزات باستمرار والابتعاد عما ينشر الأجواء السلبية ويضيع فرصة التفاعل مع المحفزات. ومن استفاد من التحفيز يعرف أنه مهارة قابلة للتعلم، وممارسته ماتعة ومفيدة، سواء ببثه للآخرين أو بالحصول عليه منهم.

العنصر الثاني يخص صنع التوازن بين الفضول والخوف. يكون المبدع أقرب دائماً لخوض الجديد، ويشعر بالفضول عند تعرضه للمعرفة الجديدة أو صنعه لها. يشعر المبدع كذلك بالخوف عندما يجد نفسه في مرحلة متقدمة من تجربته الجديدة، خصوصا عندما يقترب من المجهول. المطلوب من قائد التغيير الإبداعي (أي الأب والأم في حالة الأسرة) التأكد من حيازة مهارة التوازن بين الفضول والخوف. يجب أن يحوز كل فرد في الأسرة ضابطا داخليا يذّكره دائما بعدم المغامرة بلا حساب في حالة الفضول الشديد، وعدم الهرب والتجاهل في حالة الخوف الشديد، فكلاهما مدمر للعملية الإبداعية.

المسألة الثالثة، ويُطلق عليها: قَطْع الروابط. وهي ترتبط بقدرة الشخص على التحرر من الأفكار التقليدية. يرتبط الإنسان من خلال ما يتعلمه على مر السنوات بأفكار يصنعها هو بنفسه تقوم على عمليات ربط بين العديد من العناصر والمعلومات المختلفة. البيئة الإبداعية تحتاج إلى شخص لديه الثقة بنفسه والاستعداد – في حالة توافر معلومة تناقض ما يعرفه مثلاً – لنقض أو قطع الرابط الذي اعتاده. على سبيل المثال، قد يعتاد الشخص الذهاب إلى المصرف لتحويل النقود، لكن عندما تخرج طرق جديدة كالتحويل النقدي عن طريق الإنترنت، تختلف سرعة الناس في التحول إلى الطريقة الجديدة، فبعضهم لديه القدرة على قطع الرابط الذي اعتاده أسرع من غيره. آخر هذه العناصر اللازمة للتفكير الإبداعي هو التقييم. يشكل التقييم كمهارة مهمة -وما يتبعه من ثقافة اتخاذ القرار- دوراً كبيراً في العملية الإبداعية. الإبداع عملية موضوعية تركز على إيجاد حلول جديدة، ومن الطبيعي أن ينتج عنها في العادة أكثر من حل. يشكل التقييم الموضوعي العامل الختامي الأهم الذي يضيف القيمة لهذه الحلول. يُمكّن التقييم الجيد من البحث عن المفيد فعلياً والتركيز على مواطن القيمة، إضافةً إلى تعزيزه من شجاعة ترك تلك الخيارات التي تعجز عن إثبات نفسها.

الدور الذي يقوم به كل من الأب والأم هنا ليس مجرد دور تلقيني جاف، بل على العكس. أحد الشروط الأساسية لنشر هذه الثقافة هو فهم وإدراك هذه النقاط واحترام فهم وإدراك بقية أفراد الأسرة لها. يجب أن يكون كل من الأب والأم على قدر من المسؤولية بالاستجابة لوجهات النظر والتفاعل مع أبنائهما بطريقة تولد الثقة والاستقلالية. وبالتأكيد، الحصول على المعرفة وإيجاد القنوات المختلفة لنشر المعرفة داخل الأسرة يشكّل أحد أهم الأنشطة التي تغذي كل ما سبق من أفكار، وتحفز وتستديم العملية الإبداعية، لتجعل من الأسرة نموذجاً مصغراً لبيئة إبداعية وإيجابية رائعة.

*نشر بالاقتصادية بتاريخ 27 فبراير 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى كيف نفكر, كيرفكري, إدارة وتحفيز, اقتصاديات الأسرة, التحفيز الذاتي, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: