اقتصاد المعرفة والاستراتيجية الوطنية للمعلومات

جزء كبير من اقتصاد المعرفة يقوم على جهات تقوم بالبحث عن المعلومة، سواء كانت جديدة أو مستهلكة، لتعيد ترتيبها وتحليلها ومعالجتها حتى تصبح قابلة للهضم من جديد. بل تصنع هذه الجهات طبقات عدة من المعلومات التي تُستخدم في أفكار جديدة لم تطرأ على مستخدم المعلومة الأصلية أو تحفز على مزيد من التعاطي المعرفي في ساحات البحث والابتكار والصناعة وحتى الإعلام والرأي. وبالتدريج والتوافق يتحقق التكامل بينهم جميعًا، وهذه إحدى أوجه صنع القيمة في صناعة المعرفة.

محليًا، لا يستطيع أحد إنكار مشكلة غياب المعلومة الملائمة عن صناعة القرار والرأي على المستويات الحكومية والخاصة والفردية كافة. بل تُستخدم التجربة الفعلية كهامش خطأ بسبب ضعف فرص التنبؤ المبني على توافر المعلومة الصحيحة، وهذا السبب نفسه الذي يصنع كثيرًا من الآراء المتباعدة في المسائل الموضوعية الواضحة. وسائل الإعلام مملوءة بأمثلة الجهات التي لا تفصح أو لا تقدم كل ما يتطلع إليه المستفيد من المعلومات، أو تقدم ما يتعارض مع مخرجات الجهات الأخرى.

بغض النظر عن أسباب هذا الوضع الراهن، إلا أنه من الواضح أن الجهود المبذولة حاليًا لا تقترب من الأداء المتوقع والمنتظر، وهذه مسألة تحتاج إلى مراجعة وتفاعل سريع، خصوصًا في خِضَمّ التحديات العالمية والمحلية الراهنة. تشير خطة التنمية التاسعة إلى أن هيكل اقتصاد المعرفة المحلي يعتمد على استراتيجيات عدة وجهود وطنية (موجودة بالفعل)، منها ما يخص التعليم، الاتصالات، التقنية، الابتكار والإحصاءات. وإلى جانب الملاحظات التقليدية بخصوص متابعة هذه الاستراتيجيات ومراجعتها وتقييمها على أرض الواقع أقترح المسارعة برسم وتنفيذ استراتيجية وطنية خاصة بالمعلومات.

المقترح هو أن تجمع هذه الاستراتيجية جهودًا متفرقة وتؤسس مهام جديدة تقوم على متابعتها مصلحة الإحصاءات العامة بحكم الاختصاص (مهمتها الأساسية: القيام بجميع أنواع العمليات الإحصائية التي تقتضيها الحاجة.. حيث تُعد الجهة المسؤولة عن تزويد الإدارات الحكومية والمؤسسات العامة والخاصة والأفراد بالمعلومات والبيانات الإحصائية). هدف هذه الاستراتيجية هو توفير المعلومة ”الجاهزة” والملائمة للمستفيد الذي يعمل في اقتصاد (يطمح بأن يكون) قائمًا على المعرفة، إضافة إلى تحسينها للبيئة المعرفية عمومًا من أكثر من جانب. تقوم هذه الاستراتيجية على نموذج يسهم في صنع سوق وطنية جديدة للمعلومات، ويسد جزءًا من النقص في البنية التحتية ”الحلم” للاقتصاد المعرفي، حيث ينقل ويرقي جزءًا كبيرًا من الاستنتاجات والقرارات التي تتخذ كل يوم إلى أوضاع أفضل. هو عبارة عن برنامج تمهيدي لانتشار طبقة ثانية جديدة من المعلومات، إضافة إلى ما يتم إنتاجه حاليًا. وهكذا تتفتت تدريجيًا العقبة المعرفية الموجودة في كثير من القطاعات الحكومية والخاصة. الخطوات التالية تصور هذا البرنامج.

أولاً، تقوم الجهة المختصة (مصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات مثلا) بالتعاقد مع مكاتب الدراسات المتخصصة (دولية أو محلية) لتنفيذ دراسات دورية متقدمة خارج نطاق المؤشرات والبيانات التقليدية (مؤشرات متخصصة، دراسات مناطقية، وتحاليل متقدمة للبيانات التقليدية).

ثانيًا: يتم التنفيذ داخل السعودية بتوظيف مواطنين في التخصصات الملائمة لبناء قاعدة نوعية للموارد البشرية في مجال صناعة المعلومات.

ثالثًا: يتم الاتفاق مع الجهات المنفذة على تغطية فترات طويلة نسبيًا (مثلاً خمس إلى عشر سنوات) والإصدار الدوري المستمر (أسبوعي وشهري).

رابعًا: لا يغطي هذا النشاط المعلومات الاقتصادية الاعتيادية فقط، بل يشمل كذلك كل المجالات الأخرى القابلة للإحصاء والحصر والمعالجة (مثلاً: تعليم، الصحة، العمل الاجتماعي، وتجارة إلكترونية) نوعيًا وكميًا. ويستثنى من هذا ما لا يدخل تحت متطلبات الشفافية والقابلية للاستخدام كالجوانب الأمنية وغيرها.

خامسًا: يتم فتح قناة للتواصل (بناءً على صلاحية الجهة الحكومية التي تدير البرنامج) بين الجهات المنفذة للخدمة وبين مصادر المعلومات مباشرة (جهات حكومية أو غير حكومية) تغطي تطوير صنع المعلومة وإنتاجها، ومتابعة ذلك بموجب خطة زمنية تقرّها الأطراف الثلاثة (مصدر المعلومة، منفذ الدراسة الدورية، مدير البرنامج)، ويتم الإفصاح عنها في صدر التقارير الدورية نفسها.

بذلك، يقوم هذا البرنامج بصنع تفاعلات معرفية جديدة بالكامل، تجاوب عن الأسئلة وتحسّن فاعلية الحوار وتحفّز الابتكار والإنتاجية. قد تشتري كذلك الجهات المنفذة امتيازًا معرفيًا محددًا لغرض تحفيز الإبداع المعرفي بصنع أسواقًا ثانوية للمعلومات المتخصصة. ومن المهم كذلك عرض كل هذه المخرجات بصيغ رقمية متنوعة ومتاحة تمكّن أي مستخدم من القراءة والتحليل والمعالجة. وبالتأكيد، لا بد من جمع كل هذه المخرجات في قاعدة بيانات مركزية متوافقة مع قواعد البيانات الوطنية الأخرى.

كل ما ذكر أعلاه مجرد اعتبارات قابلة للتنفيذ في برنامج وطني للمعلومات. الهدف هو توافر المعلومة الملائمة لصانع القرار، سواء كان رب أسرة، صاحب مشروع صغير أو مشروع وطني ضخم أو حتى هيئة أو وزارة. على الجهات المختصة كمصلحة الإحصاءات العامة والمعلومات الحرص على توافر المعلومة ومتابعة وجودها وجودة صنعها باستمرار (بما في ذلك تطوير مصدر المعلومة نفسه) وليس الانشغال في جمعها مباشرة وعرضها بصورة تقليدية غير مفيدة في عالم جديد ومختلف.

وجود استراتيجية وطنية للمعلومات يحدد قواعد الشفافية التي تلزم الجهات المختلفة بالإفصاح المالي وغير المالي، ويمكّن الجهات المنفذة لهذه الاستراتيجية (مكاتب الدراسات) بالمطالبة والإفصاح عن نوع وكمية المعلومات التي لا تتواجد بعد.

في نهاية المقال، أشير إلى قرار مجلس الوزراء رقم 235 بتاريخ 16/7/1428هـ الذي يؤكد مهام مصلحة الإحصاءات العامة، ويشير إلى إيجاد آلية عمل يتم من خلالها توفير الخدمات الإحصائية والبحوث والدراسات في القطاعين العام والخاص بالأسلوب التجاري أسوة بما هو معمول به في بعض الدول المتقدمة في هذا المجال.

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 6 فبراير 2013ال

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة ومالية, اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: