حقوق أقليات بيئة الأعمال

لا أتحدث هنا عن الأقليات العرقية أو أي أقليات أخرى، بل أتحدث عن منشآت تواجه تحديات حقيقية في التعايش ضمن بيئة الأعمال التجارية. تشترك هذه المنشآت في القلة النسبية في أعدادها أو في قدراتها أو في خصائص أخرى قابلة للتمييز. تسبب لها هذه الخصائص المزيد من الصعوبات، وهذا تحديدا هو الذي يجعل هذه الفئات تقع ضمن دائرة الأقليات التي تتشتت الأنظار عنها وتهمشها القوانين العامة وتجد صعوبة في الوصول إلى حقوقها، فلا تنال فرصا عادلة كالبقية. فهي فئات ذات حظ أقل disadvantaged من غيرها. وقبل الحديث عن كيفية ضمان حقوق هذه الفئات، سأحاول التوضيح بالأمثلة لبعض الأقليات التي قد توجد في بيئة الأعمال التجارية.

المنشآت التجارية متعددة الأشكال والأنواع، تتنوع حسب شكلها القانوني أو شخصيتها الاعتبارية، وحسب حجمها، وطبيعة نشاطها أو مجال الصناعة أو القطاع التي تعمل فيه. هذه التنوعات متعددة، ولقد أشرت إليها أخيرا في المقال: ”المنشآت الصغيرة ومحاور التنوع” المنشور في ”الاقتصادية” يوم الثلاثاء 30 تشرين الأول (أكتوبر) 2012. وكما تتعدد محاور هذا التنوع، فإن فرص تكوّن الأقليات تتزايد، فكل نوع (محور) من المنشآت والأعمال التجارية يتكون من وحدات متباينة الخصائص والقدرات. على سبيل المثال، إذا كان لدينا ”ألف” مصنع للألبان لكن ثلاثة منها فقط تحتكر 80 في المائة من الإنتاج، إذن يشكل البقية، وهم بعدد 997 مصنعا، ”أقلية” نسبة للحصة الإنتاجية. صحيح أن العدد المجرد يشير إلى أن المنتجين الرئيسين الثلاثة يشلكون ”أقلية” مُحتكِرة، لكن هم في التأثير في هذه الصناعة أكثرية مسيطرة، ويسري على البقية حكم الأقلية الأضعف.

كل من يبدأ في مشروع جديد يدخل إلى إحدى قوائم الأقليات، فهو إما مبتدئ في مجال مملوء بالخبراء، أو منفرد بعلاقات ناشئة بين تجار وصناع متشابكين، أو حتى مُضطر مجبر على البيع في منافذ محدودة، ولا يملك بعد ما يجعله متعدد الخيارات والإمكانات. حتى المُبتكِر والمُميَّز ومن يغرد على أطراف السرب أو خارجه، يدخل كذلك في دوائر الأقليات الضيقة ويعرّض نفسه لما قد تتعرض له الأقليات من تحديات وصعوبات. من يفتقد الإدارة الفاعلة والاستراتيجيات الواضحة قد يهبط إلى دائرة مُهددة ليستقر فيها قليلا قبل الخروج النهائي المحتمل من السوق، ويصبح دون أن يدري ضمن أقلية ضعيفة تتضاعف تحدياتها بصورة سريعة.

ممارسة العمل التجاري بالطريقة النظامية السليمة -في غياب بعض الأنظمة- قد تجعل التاجر ضمن أقلية نظامية في سوق تسيطر عليه أكثرية غير نظامية. وهذا ما يحصل في بعض النماذج التجارية التي يسيطر عليها مخالفو الإقامة مثلا، فنجد أن اتباع النظام مهدد للنجاح ومحفز للخسارة. أحيانا يتجسد ضعف النظام لدرجة تصبح فيها القواعد والمبادئ مقلوبة بالكامل. ولأن الخدمات والعمليات الإنتاجية تستمر في الحدوث -بقيمة مغشوشة- لا يلاحظ المستهلك هذا النوع من الخلل. وبالتالي، لا يجد المراقب ما يحفزه على التعاطي السريع مع هذه المشكلات التي تُفقد بيئة الأعمال توازنها. من المثير للسخرية، تعاطف المستهلك ضد هذه الأقليات التي يراها كمنافس لما اعتاده أو مهدد لرضاه المؤقت، وهو لا يعي أن من مصلحته ومصلحة كل الأطراف الأخرى تقوية الأقلية وضمان حصولها على فرصتها العادلة، لكيلا يصبح الطرف القوي أكثر قوة ويستغلها في الإضرار بالآخرين.

لا يقتصر وجود أقليات بيئة الأعمال إلى هذه الأمثلة فقط، بل الحجم والتوزيع الجغرافي حتى فرصة الحصول على ترخيص ممارسة العمل التجاري (استغلال تقادم الأنظمة أو عدم توحيدها) قد تصنع فئتين من الممارسين بامتيازات مختلفة تصنع في النهاية أكثرية مسيطرة وأقلية ضعيفة. وجود الأقليات طبيعي في الأصل ومكمل للتنوع العفوي الذي يحصل في كل بيئة بما فيها البيئة التجارية. لكنه يتحول إلى خطر متأصل إذا أصبح مؤثرا بطريقة غير عادلة. وهو خلل لا تتم الوقاية منه ومعالجته إلا عن طريق تطبيق القوانين الواضحة والصارمة والمرنة التي تقابل متغيرات السوق والبيئة. متى ما كانت القوانين على الورق فقط، أو لا تشمل كل حالات وفرص الممارسة أو لا تُحدَّث باستمرار، فإن هذه الأقليات عرضة لمواجهة المزيد من التحديات. المعضلة الرئيسة أن هذا التأثير يصعب كشفه، لأن المراقب لا يشاهد الأقليات بسهولة ويقع المنظم أو المسؤول أو من يطبق القانون ضحية خداع شكلي يذهب ضحيته التاجر والمستهلك والقيمة التي تعود على المجتمع ككل.

تعجز هذه الأقليات عن نيل حقوقها كاملة، بل تعجز أحيانا عن الشكوى والتظلم. والحل لا يكون بمحاولة إلغاء وجود هذه الأقليات، إنما بضمان الفرصة العادلة لها. هناك تحديدا نوعان من الأثر الذي يصيب الأقليات في بيئة الأعمال، والذي يجب أن يلاحظه مَن يقوم على إدارتها وتخطيطها. أثر طبيعي يتأثر بقاعدة البقاء للأقوى لا يجب تقييده في أي سوق حرة، وهو يحصل للأقلية الأضعف باختيارها بسوء إدارتها وعدم مواكبتها التطور. هذا الأثر طبيعي يستوجب الملاحظة والمراقبة، وليس التدخل من الحكومات والمنظمين. لكن الأثر الثاني، ومحور هذا المقال، هو الذي يحصل، بسبب عدم عدالة البيئة التجارية أو لوجود مكونات نظامية أو ثقافية تمنع تحقيق هذه العدالة بين مجموعات متباينة القدرة والتأثير. وهذا بالذات يستوجب الملاحظة والمعالجة الفورية بسن القوانين التي تحمي مصالح وحقوق الأقليات ضد الأكثريات المسيطرة، لمصلحة الجميع.

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 23 يناير 2013

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال
One comment on “حقوق أقليات بيئة الأعمال
  1. غير معروف قال:

    بافتراض ان هناك سوق يعمل علي الاستيراد فقط و تريد ان تبدا مثلا صناعه وطنيه فما هي النصائح التي توجهها بفرض وجود القدره العمليه و العلم الكافي لعمل لبدا الصناعه لاكن تكمن المشكله في التمويل و استغلال الخبره العمليه الموجوده

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 2 days ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: