بعض الأفكار قبل الإدخار

بعض الأفكار قبل الإدّخار يكاد يكون مصطلح “إدخار” هو أكثر لفظ متداول في نصائح التخطيط المالي الشخصي. وهذا شئ مبرر لأن الإدخار هو في الحقيقة من أكثر وأهم وسائل التخطيط المالي التي تؤثر على فعالية حياتنا الاقتصادية. الإدخار هو فعل مفيد يحتاج إلى صبر شديد وإلتزام قوي ونتائجه تعتبر بطيئة ومملة نسبيا على الرغم من أهميته القصوى التي لا جدال فيها. لذا هناك دائما حاجة للتحفيز له وايضاح مميزاته والنصح في وسائله وطرقه.

ولكن هل الإدخار هو الخطوة التنفيذية الأولى في تحقيق أهدافك المالية الشخصية؟ الجواب هو لا! هناك خطوة عملية أهم (وأنا هنا لا أتحدث عن الخطوات المعنوية كتحديد الاهداف والاستراتيجيات وخلافه وإنما عن الخطوات التنفيذية العملية) وهذه الخطوة هي: جمع المال! حتى نتمكن من إدخاره. فالمنطق يقول يستحيل أن تدّخر ما لم تمتلكه بعد! لا يقصد بجمع المال جمع ما لديك (فهذا إدخار وترتيب وتنظيم) وإنما المقصود هو الحصول عليه من مصادر أخرى، أو صنعه (وكأنه من العدم). يجمع المال بإضافة قيمة جديدة لن تتحقق إلا بالعمل الذي ندمج فيه القدرات والأفكار والجهود (أو الحظ فقط – وهذا استثناء- كما في الهبات أو الإرث مثلا). وبذلك تتمكن من صنع المال وحيازته واستحقاقه والفوز به والحصول عليه أو كما يقال توفيره. وهذا يكون من القنوات المعروفة: وظيفة، تجارة، استثمار.

بالتأكيد فكرة هذا المقال لا تقوم على وضع الإدخار جانبا وتجاهله وعدم البدء به حتى نستطيع جمع المال بطريقة جيدة، وإنما في التركيز على مسألة جمع المال والحصول عليه وعدم نسيان ذلك والإنشغال بمحاولات الإدخار التي ستصبح بائسة جدا بدون دخول مال كاف إلى حوزتك. وهذا من المنطق السديد، حيث أن محاولات الحفاظ على الكثير أسهل بكثير من الحفاظ على القليل جدا. بالنسبة لمسألة صنع المال Money Making كما يسميها الغربيون- هي أثر ينتج عن معالجة لمجموعة من المصادر Resources أو الثروات. من هذه المصادر أو الثروات: الوقت، الجهد، العقل والبيئة المحيطة وما تحتويه. الوظيفة مثلا هي عملية معالجة للوقت الذي تقضيه والجهد الذي تبذله، وفيها استثمار للأفكار وبعض المصادر الآخرى فينتج عن كل ذلك فائدة وقيمة تعوض بالمال الذي تستلمه آخر الشهر.

أنت مسئول مباشر عن مدى فعاليتك في عملية صنع المال هذه (تتحمل نتائج أفعالك أو تستفيد منها). ولتحقيق هذه العملية وحتى تتمكن من جمع قدر جيد من المال تستطيع إدخاره بسهولة، هناك عدة رسائل: تنويع مصادر الدخل. إحذر من الاعتماد على قناة واحدة للدخل. إذا كانت الوظيفة ضع بجانبها مشروع، وإذا كان استثمار فكر في وظيفة تناسبك حتى لو كانت عمل جزئي. لا تعتمد على مدخل واحد وحاول التنويع مع الحرص على التمكن بفعالية من الوسائل التي تستخدمها. كل وسيلة أو قناة من قنوات جمع المال لها درجات متعددة (وظيفة عادية، جيدة، راقية أو مشروع صغير، كبير وهكذا). ليس المطلوب بأن تكون في مستوى عال من البداية، وإنما المهم هو أن تبدأ في أفضل مستوى تقدر عليه ويكون لديك رؤية ونية وخطوات فعلية للإنتقال إلى مستويات أعلى بالتدريج.

إحذر من التسويف والتأجيل. إذا كان الإدخار هو عملية تنظيم مقابل الوقت، صنع المال يكتسب قيمته بإعتبار الوقت كذلك. المال الذي ستصنعه في المستقبل غير موجود حتى تبدأ في العمل على صنعه.

لا تتطلب كل المشاريع رأس مال كبير. هناك نماذج كثيرة ومتعددة لتجاوز حاجز رأس المال الوهمي الذي يضعه الكثير من الكسالى لأنفسهم. لا تصطدم بهذا الحاجز وإبحث عن نماذج للمشاريع الممكنة بلا استثمار نقدي كبير واصنع لك قناة إضافية لدخلك السنوي. بعد النجاح في مشروع بلا رأس مال أو مشروع مصغر تستطيع البدء في الخطوات التالية، مشروع أكبر أو الإدخار.

الإنترنت فتح الباب لكثير من طرق الكسب المشروع والمرن: مشاريع صغيرة حقيقية، تقديم خدمات مباشرة (مراجعة، كتابة، استشارة)، خدمات تقنية، وظائف من المنزل، هناك دائما الكثير. ابحث عن المجربين هنا وأبدأ في العمل. الإستثمار الطويل الأجل (أسهم، أراضي..) يعتبر خيار جيد يخدم الأهداف البعيدة المدى، هو أقرب لكونه وسيلة إدخار إيجابية للثروة وليس لصنعها، ولكنه يشكل قناة مهمة تستحق التخطيط والبدء بلا شك.

التطوير الشخصي والمعرفي والتركيز على المهارات العملية (تواصل، لغات، لباقة، مرونة “انترنتية”، تنظيم) يشكل عامل الدفع الأقوى لكل تحركاتك في صنع المال. احرص على التطوير المستمر بالقراءة وحضور الدورات والفعاليات والإحتكاك بالناجحين والتعليم الشخصي الجدي بإستمرار. احرص على نيل عوامل الجودة التالية (ليس ليراها الناس، وإنما حتى تساعدك على الإنتاج الحقيقي الذي يمكنك من صنع المال): الإتقان، الجدية، الإلتزام. ولا أنسى إضافة الاستقلالية. لا تعتمد على تصرفات أو أهداف الأخرين، ولا تحاول الاستنارة برأي أحد غير مؤهل.

وأخيرا، الرسالة الأخيرة، هي أن تعقد العزم على تحقيق رؤية محددة، لا تخجل منها ولا تنتظر موافقة أحد عليها. حدد أهدافك المالية بإصرار ووضوح وأصنع وعاء معتبر من الثروة التي تستطيع تنظيمها وإدخارها بفعالية لتحظى بما تريد.

*نشر بزاوية “عد ونقد” بمجلة تواصي الإلكترونية

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة ومالية, اقتصاديات الأسرة, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 1 day ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: