الوقت والمال، وتقاطع القيمة!

ما هو الوقت؟

قد يكون الوقت (وهو شيء مهم يتحرك بإستمرار، لا نستطيع إيقافه أو تخزينه، وإذا ذهب لا يعود أبدًا!) أهم بعد يسيطر في حياتنا. فهمنا وإدراكنا للوقت يؤثر على مدى النجاح الذي نستطيع تحقيقه، ويمتد هذا الأثر ويتجاوز الساعة واليوم وحتى الحياة الدنيا وما بعدها.

ولكن، إذا أردنا الحديث عن الأموال، والموارد، والمصاريف، فماذا يعني الوقت؟ وما هي أهميته؟ وكيف يمكننا التعامل معه؟

الفرق بين الوقت والمال؟! 

الريال الذي لا يُصرف اليوم قد يستفاد منه غداً، ولكن نفس الريال قد يفقد قيمته غداً ! ما نصرفه في يوم واحد من ريالات هي ناتج ما تحصلنا عليه خلال مجموعة من الأيام أو من السنوات! بعضنا يجمع ويجمع الأموال على مدى السنين لكي يصرفها مرة واحدة (وقد لا يصرفها أبداً) والبعض الآخر لا يجمع شيئاً أبداً ويصرف كل ما يأتيه في نفس اللحظة. المحور الأهم في هذا كله هو الوقت!

المال هو مجرد أداة، أو مصدر، يذهب ويأتي حسب جهدنا وحظنا، ولكن الوقت هو بُعد يستمر في الذهاب ويستمر في القدوم بنفس الرتم والأسلوب، ولو شعرنا بتسارعه أحياناً. الوقت، من جانب آخر، يرتبط كثيرا ببعد مهم جدا، القيمة، وسيأتي الحديث عنها.

الفرق بين طبيعة المال والوقت يبين لنا بأن المال يعتمد على عنصرين، أحدهما نتحكم به وهو الجهد وآخر لا نتحكم به وهو الحظ أو النصيب، أو ما كُتب لنا. بينما الوقت لا نتحكم به على الإطلاق ولكنه معلوم مضبوط، وقد قدره الله منازل وأقسام حتى ننتظم في مساراته بعد فهمه وإدراكه. وهنا بالتمام تظهر الفرصة! وهي في بذل ما نستطيع لتحقيق أفضل ما نريد. ما نستطيع: كبذل الجهد في كسب المال وفهم الوقت والإستعداد له، وما نريد: أي الإستفادة من المال. وهذا هو الجوهر كله، وهو نفسه ما يسمى: “التخطيط المالي” والعمل به والاستمتاع بنتائجه!

الوقت بمراحله المعروفة (من الثانية وحتى السنة وما بعدها) يقف أمام المال في إحدى موقفين، فهو إما وقت لجمع المال أو وقت لصرفه. وهذا الاختيار لا يجب أن يعتمد على توفر المال (أي نصرفه متى يتوفر) وإنما يجب أن يعتمد على اختيارنا وقرارنا بكيفية وحيثية التوفير ومتى نصرف ما توفر ونستهلك ما نريد من هذه الوفرة. يقودنا هذا إلى التعرف على الأداة الأفضل والأهم التي يحرص كل منظم ومخطط جيد على حيازتها، وهي “الإستراتيجية المالية” التي قد تتمثل كتابياً في مسودة طويلة متجددة، أو عناصر في التقويم الشخصي، أو قوائم من مهامٍ أساسية وفرعية. بغض النظر عن مسمى المستند الذي يعالج هذا المتطلب، إلا أن وجوده مهم جداً جداً، ولو كأفكار فقط. (الكتابة لهذه الأمور دائماً أفضل).

بإختصار، لابد على من يريد التوفيق بين الوقت والمال (أو بالأحرى، من يريد أن يكون مُرتاحاً من النواحي المادية والمالية) أن يخطط جيداً ويحدد إستراتيجيته الملائمة التي تتعامل مع ما يملك من وقت ومصادر للأموال. فهو لا يُقاد بالعشوائية، ولا تحركه الصدف، بل لديه بصيرة حياتية واضحة ومدرك لما قد يشوب الغد من مخاطر، وما قد يصبح يوماً ما من رصيد الأمس (أي الوقت) بمجرد مرور اللحظة التي يعيشها.

القيمة وخط الزمن

دائماً ما يرسم المدربون والمعلمون خط الزمن، وهو خط أفقي وهمي يتكون من خطوط عامودية صغيرة تمثل السنوات. وقد يُكتب عليه مثلاً: مبلغ المائة الألف هنا (عند خط عام 1990) لا يساوي المائة الألف هنا (عند خط عام 2012). هذا الخط، هو أجمل طريقة لتخيّل القيمة عندما تتقاطع مع الزمن، سواءً كتبناه على ورق أم في مخيلتنا فقط. وقيمة ما نستهلك (وليس النقود نفسها) تتغيّر بإستمرار على خط الزمن، إضافةً إلى الفقدان التدريجي لقيمة النقود بأثر التضخم الإقتصادي الطبيعي. فهناك من يدّخر خلال ثلاثين سنة مبلغاً يكفيه لشراء سيارة الفيراري التي طالما يحلم بها، ولكن حين يشتريها تصعب عليه قيادتها لعدم تحمله السرعات العالية جراء التقدم في العمر! وأخر، يعمل ليل نهار، ليشتري بيت العمر ومزرعة العمر، ولكن حين يشتري هذه العقارات الحِلم، يجد أن أفراد أسرته قد كبروا وتباعدوا، يحاول ملء الفراغ – والحلم- لوحده ولكن..!

هذه هي القيمة التي تتقاطع مع الوقت، والجهد والمال، وهي ما يجب الإنتباه إليه دائماً. بالتأكيد، يستحيل أن يكون الهروب من هذا التقادم المزعج هو أفضل الخيارات فبعض الأمور تكون أفضل بعد بضعة سنوات. وكذلك صرف كل ما في الجيب، يورّط كثيراً ! في الطرف الآخر نجد أن تخزين الثروات المبالغ فيه هو هدر لقيمة ضرورية وتركٌ لها بلا استخدام. المطلوب بكل بساطة، هو أن لا نترك الأمور للعشوائية. لأن الفوضى والعفوية في المسائل المالية دائماً ما تؤدي إلى التورط في مشاكل لا تنتهي، وتسقطنا في مآزق لا داعي لها، وتضييع علينا فرصة الحياة الأفضل. الحل يكمن في فهم الوقت ومعرفة القيمة وتحديد قدر المال المناسب لهما. وهذا يكون ببذل الجهد وموائمة ذلك مع أهدافنا، وأحلامنا وطموحاتنا.

*نشر بزاوية عد ونقد في مجلة تواصي الإلكترونية

نبذة

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة ومالية, اقتصاديات الأسرة, تنمية ومجتمع, حسابات الريادة

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 1 day ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: