حفرة الراعي والتخطيط المالي!

الراعي والحفرة: 

تقول القصة بأن راعي أغنام تساهل في رعيه وسلك طريقاً وعرة، مما أدى به إلى السقوط من سفح جبلٍ هو وخِرافه. أنقذ أهل الوادي القريب أكثر الخِراف وافتقدوا الراعي واثنان من خِرافه. فقد سقط كل من الراعي والخروفين في حفر مختلفة في باطن السفح، لا يُسمع صوتهم ولا محاولات خروجهم. كان في كل حفرة بقايا من ماء المطر. شرب الخروف الأول كل الماء الذي بالحفرة، وبعد عدة أيام مات من العطش. وجد الخروف الثاني قنفذاً يحفر ويُخرج المزيد من الماء، وبعد بضعة أسابيع اختفى القنفذ. فلما نفد كل الماء مات هذا الخروف من العطش أيضا. أما الإنسان الذكي، فتذكر ما علق برجله من مخلفات خِرافه، واستخرج منها بعض حبات الشعير والبطيخ. فخِرافه كانت تفطر على الحبوب وبقايا البطيخ كل صباح. زرع الراعي الحبات على طرف الحفرة، وصار يشرب قليلا من الماء ويسقى زروعه الصغيرة. فما قارب الماء على النفاد إلا وأصبح لديه شجرتين، يشرب ويأكل من البطيخ، ويصنع من أوراق الشعير الطويلة حبلا. فأمتد صبره بهذه الوسائل لأسابيع عديدة، وتمكن بالحيلة حتى خرج فرحاً من الحفرة.

استخدم الراعي عقله وخطط ليخرج من المأزق الذي وجد نفسه فيه. والحياة، حتى في أبسط حالتها، هي في درجة من مأزق ما، سواء شعرنا بذلك أم لم نشعر. فالموارد من حولنا دائما محدودة، نعظم قيمتها بحرصنا ونضيعها بتفريطنا. يعرف علماء الإجتماع والإدارة التخطيط بأنه طريقة التفكير في ما يجب أن نفعله لنتمكن من استخدام الموارد المتاحة لتحقيق هدف ما. وهذا بالضبط ما حرص على فعله الراعي ونجح فيه. فشلت الخراف في ذلك لأنها لم تُمنح البصيرة والقدرة على تمييز الخطر وفرص الخروج من الخطر، وتقدير ما يتوفر لها من موارد ثمينة. وهذا هو حال العقلاء في الدنيا وكذلك التعساء الذي يفوتون فرص الاستفادة من التفكير والتخطيط.

المال والتخطيط: 

المال، بإعتباره وسيلة نحصل بها على مختلف الموارد، يمثل أحد أهم محاور التخطيط. قد نسمع بالتخطيط الاستراتيجي في الدول و المنظمات، و التخطيط الإداري في الشركات و الأعمال، والتخطيط الشخصي عند الأفراد، في حين يتمحور التخطيط المالي بين كل هذه المراحل، من الفرد إلى الدولة. ولكن أين يقع التخطيط المالي من الأسرة؟ ما أهميته لها؟! قد يقول قائل: لن تموت الأسرة من الجوع إذا لم تخطط لأموالها بدقة! و أقول له: إن أنواع القلق والنزاعات التي تنتج عن فوضى الإستهلاك والمصاريف هي أشد واقعية و أعظم أثراً من الجوع في يومنا الحالي، لأنها تدمر وتقتل أحلام الأسر، إن لم تفكك الأسرة وتجعلها في تباعد مستمر.

التخطيط المالي للأسرة هو الوسيلة الوحيدة التي تبعد الأسرة عن مخاطر هذه الفوضى و تجنبها أخطاء الإستهلاك والصرف المبالغ فيه، و تساعدها على التنعم بفوائد الدخل الذي تجنيه. بالتخطيط المالي تتمكن الأسر من إدراك الممكن من الأحلام المادية واستبعاد البائس والمستحيل منها، فلا تعيش في الوهم ولا تغفل عن الواقع! وهو كذلك ليس بالأمر الصعب، وإنما بعض تنظيم ببعض إلتزام. ولا يغيب هنا دور أفراد الأسرة وتعاون الجميع فيها على تحقيق هذا الإلتزام. لذا، وحتى يتمكن الجميع من أداء هذا الدور، لا بد أولا من توعيتهم وتحفيزهم على أدائه. وهذا لا يتحقق إلا بتوضيح فوائد التخطيط المالي وأهميته، وذلك بوسيلتين: التلقين والتوعية المباشرة، و بالتجربة والبرهان الحي. وهذه الوسائل من مهارات القيادة الأسرية التي يجب أن يتحلى بها كل من الأب والأم.

فوائد التخطيط المالي: 

لا ترتبط جدوى التخطيط المالي بمستوى الدخل، فالتخطيط قيمة إيجابية وضروة حياتية للجميع، سواء تواضع الدخل أو إرتفع. ولكن تختلف صعوبة التخطيط و تأثيره تبعا لمستوى الدخل. ولا تقتصر فكرته على توفير مبلغ من المال لشراء قطعة ثمينة فقط، كلا، بل هي أبعد من ذلك وأفضل. الإدخار المباشر مثلاً- وهو صمام الأمان لكثير من الأسر- جزء مهم من التخطيط ولكن هناك إعتبارات وفوائد كثيرة أخرى. أحيانا قد يكون من التخطيط الجيد التعجيل بصرف مبلغ من المال، لأن حبسه وإدخاره سيفقد قيمة ما نريد أن نشتري به. كذلك، من دواعي التخطيط المالي المفيد، أن نوازن بين مجهوداتنا والساعات التي نقضيها في أعمالنا لتحقيق أهداف الأسرة، وضمان ما يحقق احتياجنا الفعلي بلا مُبالغة أو تفريط. بل إن التخطيط المالي قد ينبهنا إلى أفضل أوقات الإجازات و يساعدنا على مقارنة مختلف خيارات تعليم أطفالنا، ويمكننا من إدارة اقتصاديات المنزل بفعالية.

وفي النهاية، تساعدنا هذه الأداة، وهي متوفرة للجميع، على اكتشاف خيارات الأسرة الاقتصادية بإقتدار والتعرف على ما يمكن فعله حيال ذلك وإكتشاف طاقاتنا الكامنة التي قد لا نتنبه لها بلا تخطيط. بل وقبل ذلك، تحفزنا على التقرير بخصوص أهدافنا التي تكون في أكثر الأحيان ضاببية معتمة، وبالتأكيد ستجعلنا أكثر إطمئنانا بخصوص مستقبلنا ومستقبل أطفالنا.

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة ومالية, اقتصاديات الأسرة, تنمية ومجتمع, حسابات الريادة

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: