أحداث حياتي! كيف أُصرّفها؟

 

في كل مشروع، هناك نقاط محورية يعتمد عليها نجاحه. وأحياناً يزداد تعقيد المشروع ويصبح له تفاصيل وتفرعات لا نهاية لها. ولكن بالنسبة للقيادي الذي يدير المشروع، هناك عدة نقاط محورية قد لا تزيد على العشرة أو العشرين، إذا نجحت هذه النقاط نجح المشروع كله، وإذا فشلت فشل المشروع كله.

حتى حياتنا تعمل بهذه الطريقة، لها مجموعة من الأحداث الرئيسية التي نستطيع التنبؤ بها بدقة جيدة. قد تزيد أو تختلف أهمية هذه الأحداث نسبياً من شخص لآخر، مع التأكيد طبعاً بأن بعض الأحداث قد تخرج عن السيطرة، وهذا طبيعي ومتوقع في كل مشروع بما فيه مشروع الحياة!

وكل حدث من هذه الأحداث – تماماً كما في المشاريع- يمر بدورة تتكون: تخطيط مسبق له طريقة عمل موصى بها ويجر نتائج تعتمد على كيفية تعاطينا معه، إضافة إلى ظروف أخرى متنوعة. ترتهن هذه الدورة التي يمر بها كل حدث إلى كم من التفاعلات الإجتماعية والعاطفية والمادية المتنوعة. ونحن نقوم بهذه الدورات بتناسق وفعالية سواء تنبهنا إلى ذلك أم لم ننتبه. وكلما إزداد الوعي حولها، كلما أصبح التخطيط أكثر ملائمة والمتابعة أكثر فعالية والنتائج أقرب للنجاح. وعلى الرغم من أن هذا الوعي لا يكلف الكثير، ما نزال نتركه ولا ننتبه له.

ما هي يا ترى الأحداث الرئيسية في حياتنا؟ من أين تبدأ حياتنا وإلى أين تنتهي؟ ماذا عن النواحي المادية، المالية خصوصا؟

تبدأ حياتنا من لحظة الولادة، ولكن بالطبع هذه خطوة لا نستطيع التخطيط لها (فيما يمكننا في المقابل التخطيط لولادة أبنائنا). ولكن الأحداث الرئيسية التي نستطيع التخطيط لها تأتي بعد ذلك، وهي على نوعين. أحدهما نستقبل فيه المال، كالحصول على وظيفة أو تحقيق حلم مشروع تجاري، والآخر ندفع فيه المال، كقدوم طفل جديد أو الزواج أو شراء منزل. وبالتأكيد تحوز الأحداث التي “ندفع” فيها المال -وليس التي “نستقبل” فيها المال- على أهمية أكبر وذلك لأن الدفع مُلزم على الأرجح، ويعرضنا للمخاطر إن تخلفنا عنه. واستقبال النقود مهم أيضاً خصوصاً إذا أثر على الحد الأدنى من مستوى المعيشة المقبول أو إذا ترتبت عليه حقوق الآخرين كأطفالنا أو من نعيل.

هذا الوعي والتنبه لأحداث حياتنا يدخل تحت التخطيط المالي الطويل الأجل، ويوجهنا بدوره إلى المهام التخطيطية الأكثر تفصيلاً والأصغر عمراً، كتلك المتوسطة والقصيرة الأجل. هذا الوعي هو الصلة بين أهداف حياتنا وبين ما نقوم به يومياً من تصرفات، هو الربط بين قمة الهرم (الأهداف) وقاع الهرم (التفصيل والسلوكيات). وكل مانحتاجه هو أن نصنع افتراضيا (أو على الورق) تقويماً لأحداث حياتنا نشير فيه إلى كل حدث مهم. ولكل حدث نكتب عن: ماذا يجب أن نعد لهذا الحدث، وما هي طموحاتنا وتوقعاتنا لطريقة حدوثه، وكيف نسعى لتغيير ذلك.

أما إذا حاولنا التحدث عن ماهية هذه الأحداث وسردها، فهي كما أشرت تختلف من شخص لآخر، ولكل منها طبيعة مختلفة وفترة تأثر مختلفة ودورة إعداد مختلفة. ولكن هذا لا يمنع من المرور عليها وذكر بعضها كأمثلة.

يأتي السكن في أول اللائحة، وهو لا يعني فقط طريقة ووقت إمتلاك المنزل، كلا، فالسكن في منزل مستأجر هو أيضاً حدث يجب الإعداد له، فتكلفته معتبرة على المدى الطويل، وتتناسب بطريقة مباشرة مع مستوى الدخل. وبعد السكن يأتي الزواج، وهو أيضاً ذو جانبين: الزواج كيوم ننتقل فيه من حالة إلى حالة وهذا يشمل مثلاً إعداد الحفل والمنزل واللباس ، والجانب الآخر للزواج هو أسلوب الحياة اليومي بعد الزواج، وهذا حدث مستمر قد يشكل عند الاغلبية أكثر أيام حياتهم! ويتبع الزواج الكثير من الأحداث كإنجاب الأطفال الذي يستحق الكثير والكثير من التخطيط لأثر الطفل على موازنة الأسرة. فالأم مثلاً بحاجة إلى التفرغ وترك العمل مثلاً، وهناك تكاليف شراء حاجيات متنوعة، وعلاج وغير ذلك. أيضاً، نجد تطوير الذات وتأهيلها بالدراسة والتدريب من أهم الأحداث في حياتنا، وما الحياة إلا رحلة في التعلم. كذلك من الأحداث الرئيسية التي تستحق التخطيط: فقدان العمل، وهذا محتمل ووارد لكثير من الأسباب ومن الحصافة الاحتياط له ولو على الورق، وتأمين مصدر دخل بديل مؤقت بالإضافة إلى مدخل مضمون لإصلاح الوضع (خطة للحصول على عمل آخر). من الأمور التي تحدث وقد يكون من المناسب (خصوصاً في حالة عدم الإستقرار الأسري) التخطيط لها، الطلاق أو الإنفصال، وهذا النوع من التخطيط يجلب المزيد من الإستقرار لأنه يُبعد الضغط الناتج عن الخوف من عدم الإستقرار المستقبلي، فتجد من لديه خطة احتياطية لليوم السيء، لا يقع فيه.

هناك أيضاً التقاعد والرعاية المتأخرة، وهذه الأمور للأسف لا تنال إهتماماً كبيراً في مجتمعاتنا وذلك لأن العادة كانت بتواجد الأسر في تجمعات كبيرة ودائماً هناك من يستطيع الاعتناء بمن هو أكبر سناً. ولكن المستقبل يتغير والناس الآن تعيش في بيوت متباعدة صغيرة والواقع يشير إلى ضرورة التخطيط لأيام التقاعد بعناية (كتوقيت وطريقة استلام معاش التقاعد وتأمين الرعاية المتأخرة) خصوصاً وأن البيوت في المستقبل ستصبح أصغر حجماً مع النمو السكاني والضغط الاقتصادي وسيزداد الناس تباعداً وافتراقاً.

بالتأكيد، هذه الطريقة في التعامل مع الأمور المالية بإعتبار أحداث حياتنا ليست خطة شاملة للتخطيط المالي، وإنما مجرد طريقة سهلة لإدراك اللحظات الأكثر أهمية في حياتنا وكيفية الاستعداد لها. وما يزال هناك الكثير ليقال عن التخطيط المالي الشخصي، أو إدارة الأموال الشخصية، والتي دائماً ما تصبح أكثر فعالية، بالوعي والتخطيط المُدرك المستمر.

 

*نشر بزاوية “عد ونقد” بمجلة تواصي الإلكترونية

Advertisements
حول

Contributor

Tagged with:
أرسلت فى محاسبة ومالية, اقتصاديات الأسرة, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬817 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: