المصرفية الإسلامية بين السيولة والمعرفة

إذا كانت صناعة التمويل الإسلامية مثيرة للجدل عند البعض، فهذا لا يعني أنها تستحق التجاهل من البقية. بل إن التعاطي معها بعمق وإدراك أكبر هو الوسيلة الوحيدة التي تؤدي إلى تحويل هذا الجدل إلى حوار، وبالتالي الوصول إلى نتيجة إيجابية سواء كانت قَبولا واسعا أو رفضا قاطعا. وللوصول إلى حد جيد من الإدراك والفهم لا بد من السيطرة المعرفية على كل جوانب هذه الصناعة التي لا تقف فقط على صيغة علاقة الشركاء في عملية التمويل، بل هي تطبيقات متعددة لمنظومات عدة متناسقة.

تعدّت صناعة التمويل الإسلامي اليوم، من أوجه عدة وفي أماكن عدة، مرحلة الجدل والتردد وباتت محط أنظار مختلف الدول. حتى تستطيع دول الخليج مشاركة الآخرين في مصير هذه الصناعة التي قصت شريط بدايتها وما زلت تغذيها بوفرة المادة، لا بد من أن تحوز قدرا معرفيا تطبيقيا معتبرا في التخصصات الفنية التي تساند هذه الصناعة، وهذا يعني وجود الموارد البشرية المؤهلة في التخصصات الفنية المساندة للمصرفية الإسلامية.

يشيد البعض بالاهتمام المتزايد بالمصرفية الإسلامية في روسيا وألمانيا وفرنسا وبريطانيا، بل يعتبره فتحا لها وتحقيقا لجدواها. قد لا يكون في هذا الاهتمام أي بشارة، بل هو أقرب لدق ناقوس الخطر. هذه الدول لا تهتم بجوهر التمويل الإسلامي ومقاصده، بل تبحث عما يستقطب لها الأموال بأي طريقة جذابة. وإن لم تحز دول الخليج المعرفة الكيفية الفنية المتخصصة فهي لن تجاري مراكز المعرفة والتخطيط التي تتطور سريعا عندهم كل يوم.

الاعتماد على حيازة المال فقط لن يكفي وإن رافق ذلك تصدير الفتاوى أيضا، فكثير من دول العالم باتت تنافسنا في هذين الجانبين. حيازة المال والكمية الهائلة من السيولة التي تلفت نظر كل دول العالم ليست إلا فرصة إن لم نستغلها استغلها الآخرون فينا. إن الضعف الفني في التعاطي مع المصرفية الإسلامية يحتّم علينا أن نكون تابعين متأثرين بسياسات غيرنا من الدول الإسلامية وغير الإسلامية، وفي هذا تفويت كبير لفرصة التأثير الذي نتحدث عنه أو فرصة خدمة (أو حتى رفض) هذه الصناعة كواجب شرعي واجتماعي ناهيك عن فرصة خدمة أنفسنا ومجتمعاتنا.

تعتمد صناعة التمويل عموما والمصرفية الإسلامية خصوصا على عدة خدمات مساندة، فالعلاقة التمويلية علاقة ذات مخاطر مرتفعة نسبيا ولا تُضبط إلا بدعم قانوني جيد يبدأ بالنظر إلى جوهر وشكل هذه العلاقة محددا حقوق والتزامات أطرافها. وكذلك، لا يتمكن أصحاب هذه العلاقة التمويلية والمستفيدين منها (كالملاك والمستثمرين) من تقييم نتائج هذه العلاقة إلا بأدوات مالية ومحاسبية مُتقنة تعبر بشكل معقول عن واقع وحقيقة هذه العلاقة التمويلية وما يختلجها من تغييرات. كذلك، أصبحت اليوم الحوكمة وآليات الامتثال وقياس المخاطر ذات أهمية كبرى للقطاع المصرفي، حيث نجد المنظمات العالمية في تحديث مستمر لمعاييرها التي تصبح أكثر تحكما وتحديدا لسلوكيات المصارف (بازل 3 مثلا)، وهذا يعني تعقيدات متزايدة أخرى. تتعاظم حاجة المصرفية الإسلامية إلى الخدمات الفنية المساندة إذا كنا نتعامل معها باعتبارها نواة وتمثيلا مُصغرا لمشروع الاقتصاد الإسلامي. حيث إن العمل في المصرفية الإسلامية بمعزل عن هذا المشروع الأممي يجعلها أقرب إلى الحالة التي توصف فيها بالتحايل والتمويه.

تقدم المصارف الخليجية اليوم خدمات التمويل المتوافق مع الشريعة على العلن وعلى نطاق واسع، وهذا يعني وجوب العمل بجدية لحل مشكلات ندرة الموارد البشرية في هذا القطاع، وإلا ستزيد هشاشة القيمة التي تدعيها هذه المؤسسات. لأن هذه الصناعة هي صناعة معرفية بالأساس ولن ننجح في الاستفادة منها إذا كنا سنقوم باستيراد الموارد البشرية كما نفعل في المجالات الصناعية أو الإنتاجية الأخرى. النظر في طلبات الوظائف المصرفية المعلنة باللغة الإنجليزية في منطقة الشرق الأوسط يبين حجم الاستقطاب المصرفي الخليجي لأصحاب التخصصات والخبرات في مجالات القانون والمحاسبة والهندسة المالية والحوكمة وتطوير الأعمال. وجميع هذه التخصصات في حاجة إلى جودة عالية في التأهيل واعتبار جيد للخصوصية الشرعية.

حل هذه المشكلة لا يكون مثلا في تقديم المصارف المركزية دورات في التمويل الإسلامي لموظفي المصارف التجارية، فهذا أقرب للعلاج من الوقاية، وهي حلول مقبولة مؤقتا فقط. الحل يبدأ أولا باستراتيجية واضحة لتحديد وجهة هذه الصناعة، يتبع ذلك أهداف نوعية وكمية معلنة ومشتركة للموارد البشرية على المستوى الخليجي. ويلحق بهذا أيضا توحيد وتنظيم دور الرقابة الشرعية، لأنه المحدد الأقوى لوجود المصرفية الإسلامية في عالمنا اليوم. وبعد ذلك يكون تنسيق الجهات ذات العلاقة، وليس المصارف المركزية فقط، بل هيئات أسواق المال والمصارف الاجتماعية والهيئات المحاسبية والقانونية، لرسم خطط تطوير الصناعة والمشاركة مع المؤسسات التدريبية والتعليمية في تصميم وتنفيذ حاجات وأساليب التأهيل الفني (محليا) المصاحب واللاحق للتعليم الجامعي.

الاستراتيجيات الموجهة لحل مشكلات ندرة الموارد البشرية المتخصصة تعتبر ذات أهمية عليا لكل صناعة، فكل الصناعات تقوم على نوع وكم معين من الموارد البشرية. وإذا تحدثنا عن المصرفية الإسلامية كصناعة ناشئة تعتبر حاليا في مرحلة مخاض، فهي أحوج ما تكون إلى تعاون غير اعتيادي لحل مشكلاتها. ولا يشكل أي تقارب على المستوى الدولي فرصة أفضل من الفرصة التي تحوزها دول الخليج في تقاربها الاجتماعي والديني والاقتصادي. خطوة كهذه، خصوصا من دول كالسعودية (في أعداد خريجيها) والإمارات ( في أسواقها) والكويت والبحرين (في خبرتهما) قد تشكل التحول التاريخي الأكبر في مصير المصرفية الإسلامية. على الأقل ستتضح الصورة إذا كانت ستشق طريقها أم ستتزايد العقبات في وجهها، فالقدرة المعرفية الفنية التطبيقية هي التي ستمكّن الشرعيين من فهم الواقع واستقرائه بلا أخطاء، وهي التي ستنقل المصرفية الإسلامية من إغراء السيولة إلى ثقة المعرفة.

*نشر هذا المقال بتاريخ 25 ديسمبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى اقتصاديات وطن, التمويل الإسلامي, تنمية ومجتمع
One comment on “المصرفية الإسلامية بين السيولة والمعرفة
  1. nanaseabood كتب:

    موضوع جميل وقيم ولكن هل باستطاعة دول الخليج مجتمعة إنشاء بنك خليجي إسلامي ويكون مستواه ليس فقط على مستوى الخليج فقط وإنما على مستوى العالم حتى يتم التعامل معه من قبل البنوك الأخرى وفق شروط ومعايير مصرفية إسلامية ؟
    بصراحة ازدحم راسي بالعديد من الأسئلة ولا اعرف كيف سأقوم بترتيبها ولكن سأحاول وأطرحها عليك
    فالك التوفيق داكتر

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...

خطأ: لم يستجب تويتر. يُرجى الانتظار بضع دقائق وتحديث هذه الصفحة.

التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: