«إتش بي» و«أتونومي» .. هل هناك ما يستحق الاهتمام؟

القصة ببساطة تبدأ من تشرين الأول (أكتوبر) 2011 عندما استحوذت شركة إتش بي (هيلويت باكارد) الأمريكية العملاقة بالكامل على شركة برمجيات بريطانية بمبلغ يقارب 11 مليار دولار. تُقدم شركة البرمجيات ”أوتونومي” (وهي بالمناسبة من مُخرجات حاضنة الأعمال في جامعة كامبريدج) حلولا برمجية متخصصة، ويُفترض أنها بهذه الصفقة تكمل قطاع الخدمات عند شركة إتش بي. ظهرت عدة شكوك في تلك الفترة عن عدالة الصفقة، ولم يمر أكثر من سنة حتى أعلنت ”إتش بي” شطب 8.8 مليار دولار من مبلغ الصفقة. أي تم تعديل حسابات ”إتش بي” بهذا المبلغ عن طريق خصمه من رصيد الأصول المتعلقة بصفقة ”أتونومي”. بمعنى آخر، كان مبلغ شراء ”أتونومي” مبالغا فيه بنسبة 400 في المائة. مصدر هذا المبلغ المهدر الذي تلاشى بالكامل في أقل من سنة هو أموال المساهمين في شركة إتش بي.

تحوز هذه القضية منذ عدة أسابيع اهتمام وسائل الإعلام الغربية بتغييرات متسارعة على أكثر من صعيد. فهي تثير الكثير من الأسئلة، وقد تصنع مسرحا حيا من الدروس والعِظَات، إضافة إلى أنها تنبئ بالمزيد من القرارات والأنظمة الجديدة، هذا إن لم تُنه حياة بعض لاعبي السوق الكبار. من المبكر جدا توقع كل هذه النتائج، لكن حتى اليوم فقط، رفع المساهمون فعليا بضع دعاوى ورميت الاتهامات ذات العيار الثقيل على الملأ. يوجد حاليا الكثير من الضبابية والارتباك حول عملية الاستحواذ التي تمت بين الشركتين، إضافة إلى تاريخ معتبر من المصاعب الإدارية –عند ”إتش بي” خصوصا– وبعض الاختلاف النسبي في الأنظمة والقوانين بين الدولتين (أمريكا وبريطانيا) وبالتأكيد بعض الثغرات في جدار الصد الأخير الذي تؤول إليه عادة كل الضربات، أي مراجعي الحسابات.

في إعلان النتائج الفصلية نفسها التي نُشر فيها خبر شطب هذه المبالغ، أشارت شركة إتش بي إلى أن هذا الشطب ناتج عن فشل ”أوتونومي” في الإفصاح المالي والقيام بالإجراءات المحاسبية السليمة من دون تحديد ماهية وتفاصيل هذا الفشل. وقوبل هذا بالاستهجان والرد من تنفيذيي شركة أوتونومي السابقين. المثير في الأمر أن كبار التنفيذيين في ”أوتونومي” تم تغييرهم من شركة إتش بي بعد الاستحواذ مباشرة في حين أن ”إتش بي” تُدار أيضا بطاقم تنفيذي جديد لأسباب تتعلق بتحسين الأداء في الشركة.

للمساهم دور كبير في إثارة القضية بدعم من الإعلام الذي يبحث دوما عن الإثارة، فالمساهم هو صاحب الحق الأول ولا يتردد في رفع الدعاوى (كما حصل فعلا) للحصول على حقه. فمن وجهة نظر مساهمي ”إتش بي” قد يكون شطب هذا المبلغ ناتجا عن أخطاء إدارية فادحة تستحق المحاسبة أو حتى غطاء لعملية غير أخلاقية تستحق التجريم ويجب ألا يتحملها المساهمون.

للمتابع والمهتم، خصوصا الأكاديميين والمتخصصين، تعد هذه القضايا فرصا جيدة لاستكشاف العديد من العلاقات وأنواع التأثير في عالم الشركات المساهمة. وهي تعد أيضا نقاط تحول تاريخية في سلوكيات الأسواق وآليات وقوانين المتابعة والإفصاح، والأمثلة عديدة تمر بـ WorldCom وEnron ولن تنتهي بالتأكيد عندما حصل في أزمة 2008 المالية. لهذه القضايا اليوم رِتم واضح فهي تبدأ من إعلان مفاجئ يتبعه استنفار إعلامي وتأثير مباشر في السوق، ثم تحقيقات على أكثر من مستوى تجر أكثر من طرف للإفلاس المادي أو المعنوي وتنتهي بمجموعة من القرارات والأنظمة التصحيحية.

بعض الجوانب والأسئلة والآثار المحتملة في قضية ”إتش بي” و”أتونومي” تستحق النظر والفهم، فهناك الكثير مما قد يستفاد منه، خصوصا محليا. يكفي أن المتابعة الجيدة لهذا النوع من القضايا تمنحنا، على الأقل، فرصة الحذر من تكرار أخطاء الآخرين.

على سبيل المثال، قد يكون السؤال الأول حول هذه القضية هو: كيف تم تقييم صفقة الاستحواذ؟ هناك أكثر من أسلوب للتقييم يعتمد على التنبؤ بقدرة المنشأة على العطاء المستقبلي، خصوصا العطاء النقدي. يستخدم المحللون أكثر من أسلوب لصنع هذه التوقعات التي تختلف من صناعة إلى أخرى. يتم عادة الجمع بين أكثر من أسلوب للسيطرة على مخاطر هذه الاحتسابات التي لن تطابق الواقع طبعا، لكنها مجرد مقاربات عقلانية. هل كانت التقارير المعلنة هي مصدر المعلومات الوحيد لعملية التقييم؟ أم بسبب حجم الصفقة كان بالإمكان الوصول إلى معلومات أكثر. هل يجب أن تُحاسَب إدارة المنشأة المُستحوِذة إذا لم تصل إلى معلومات ذات دقة كافية ومصداقية عالية؟

من جانب آخر، تضيف الأصول غير الملموسة درجة معتبرة من التعقيد في عملية الرصد المحاسبي والمتابعة المالية. ولهذا التعقيد جانبان مهمان: الأول، تقوم ”أتونومي” على استثمار وتشغيل الأصول غير الملموسة (برمجيات وحلول تقنية)، وهذا يعني أن هناك تركيزا عاليا لأصول يصعب قياسها محاسبيا. البعد الآخر في مسألة الأصول غير الملموسة لا يرتبط بطبيعة نشاط ”أتونومي”، إنما بعملية الاستحواذ نفسها التي ينتج عنها عادة فرق بين قيمة الصفقة وقيم بنودها من الناحية الدفترية الذي يتم التعامل معه حسب معايير المحاسبة الأمريكية باسم الشهرة Goodwill.

هناك العديد من الجوانب الأخرى التي طُرحت على الطاولة، كجدوى العولمة في ظل هذه المشاكل وأثر ثقافة المنشأة مثلا في عملية سوء الفهم -إن حصلت فعلا- بين ”إتش بي” و”أتونومي”، إضافة إلى الحد الأدنى المقبول من الشفافية وأثر توحيد المعايير المحاسبية وإجراءات الحوكمة وآليات الاستحواذ. يُمثل عموما هذا النوع من القضايا مادة دسمة للإعلام الغربي الشره وفرصة جيدة للمهتمين، فهو تفاعل سريع ومتنوع للكثير من المتغيرات والأنظمة والأطراف في أسواق المال، وخلال فترة قصيرة، ستتجسد الكثير من التأثيرات التي تمكن المشاركين في أسواق المال (بمن فيهم المساهم ومنظم السوق ومقدمو الخدمات) من التعلم والحذر.

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 11 ديسمبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى محاسبة للمحاسبين, محاسبة ومالية, إدارة وتحفيز

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: