حامل الدبلوم بين الاقتصاد والواقع

تقول المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل: ”بعد بضع سنوات سيكون لدينا نقص شديد في أصحاب الأيادي الماهرة، ذلك لأن نسبة الذين يتمسكون بالاستمرار في تعليمهم لمراحل متقدمة في ازدياد، وهذا مقلق”.

سأعتبر، لغرض هذا المقال، أن حاملي الدبلوم، خصوصاً خريجي برامج المؤسسة العامة للتدريب التقني والمهني والبرامج التدريبية الفنية في المؤسسات الوطنية الكبرى، هم من يحمل لواء الحرفيين والمهنيين والفنيين في السعودية. وهم فعلا من يعتمد عليهم المجتمع في القيام بهذا الدور إذا استثنينا وجود الأجانب المؤقت والاضطراري. قد لا يدرك بعض حاملي الدبلوم أهميتهم لاقتصادنا الوطني ودورهم في استمرار عجلة البناء والتنمية، بل علاقتهم المحورية بأي تطور حضاري ملموس. إن وجودهم وانتشارهم وفاعليتهم كحرفيين وفنيين مهرة شرط رئيس للحلول الاقتصادية الحقيقية التي يتحدث عنها الجميع، كتنويع مصادر الدخل وتفعيل القطاعات الصناعية واقتصاديات المعرفة وغير ذلك الكثير.

يذكر لي مدير تنفيذي في شركة محلية صناعية كبرى هذه القصة الحقيقية التي حصلت حين تعطلت إحدى المكائن الضخمة والحساسة. وبعد استشارة المهندسين الذين عجزوا عن حل المشكلة إضافة للمستشار المتخصص الذي حضر من الخارج وبعد دفع الكثير من تكاليف الإصلاح وضياع وقت التصنيع لم يصلوا إلى نتيجة. حينها تقدم رجل سعودي لا يحمل إلا دبلوم فني وسنوات طويلة من الخبرة، وقال لهم: ”أصلحكم الله، هذه بسيطة، حتى تكتشفوا الخلل يجب أن يكون هذا المسمار في هذا الاتجاه”. بعدها تمكنوا من إصلاح الخلل. لم يكن ليعلم أحد عن هذه المعلومة البسيطة والمهمة جدا إلا بعد الممارسة الطويلة والعطاء المخلص للحرفة، وستظهر نتيجة هذه الأهمية ولو بعد حين. ليس للحرفي أو الفني صاحب الخبرة فقط، بل للمجتمع ككل. وهناك المئات من القصص المذهلة لسعوديين مهرة في المجالات الصناعية والفنية نالوا إعجاب من حولهم.

قد يطالب شاب بحق تطوير نفسه وبخيارات ممكنة وواضحة لإكمال المسيرة التعليمية بعد إنهاء دبلومه التدريبي أو الفني. وهذا حق له بلا شك؛ لكن قد يغفل أو يقلل هذا الشاب من حقوقه الأخرى ويضيع فرصا عظيمة جدا. تطوير نفسه في مهنته وتبحره فيها بالممارسة يمكّنه مما لا يستطيع أخذه من التعليم المباشر، مهما بلغ هذا التعليم من جودة ورقي وظهر بصورة براقة أمام الآخرين. هناك قدر من المعرفة الفنية النادرة – والممكنة في الوقت نفسه – التي لا يتسنى لأحد الحصول عليها إلا بالممارسة والخبرة، وهي لا تتاح في أغلب الحالات إلا لمن يملك المؤهلات الفنية والتدريبية، أي حامل الدبلوم، وبها تحصل القيمة التي نفتقدها والتي لا تمنحها حتى أقوى الشهادات.

ليس سراً أن للحرفيين دورا خاصا في تنمية الدول، فالدكتور إيلهي شين مدير جامعة كايميونج الكورية الجنوبية يقول عند زيارته المملكة: ”السعودية لعبت دوراً مهما في النهضة الكورية، عندما أوكلت العديد من مشاريع البنية التحتية الضخمة لشركات كورية.. واكتسبت العمالة الكورية الخبرة كما كان ذلك دافعا لتوجه أبنائنا لدراسة الهندسة”. وهذا ثابت كذلك في التجارب المشهورة لليابان وألمانيا، فالمستشارة الألمانية تقول أيضا: ”مما تفخر به الأمة الألمانية هو التعليم المهني والتدريب، وسنحرص على أن يكونا مصدر فخرنا بين الأمم”. أيضاً يقول الشيف والمؤلف الإنجليزي المعروف جيمس مارتن (وهو خريج كلية تقنية): ”هناك الكثير من طرق النجاح، لكن من أميزها ما هو مفتوح للجميع خصوصا من يصر على التميز في المجال الذي يختاره، في هذه الأوقات الاقتصادية العصيبة يجب على المملكة المتحدة أن تحوز المهارات المطلوبة عن طريق أبنائها حتى نمر منها بسلام”.

على مستوى الاتحاد الأوروبي مثلاً، يحظى التعليم المهني باهتمام جيد ويعد اختيارا معقولا ومجزيا للكثيرين وذلك لحيازته ميزتين مهمتين: أولا: وجود مراكز وبرامج تقدمه بجودة عالية. وثانيا: وجود الفرص الوظيفية المعتبرة التي تنتظر من يتخرج في هذه البرامج. وعلى الرغم من ذلك تستمر دعوات المسؤولين الأوروبيين لاستقطاب المزيد من الحرفيين والفنيين لأن الموجود منهم لا يكفي لكل حاجات الاتحاد الأوروبي الصناعية والمعرفية. لا تعني التوجهات العالمية نحو المزيد من الإنتاج المعرفي والإبداعي التقليل من هذه الأهمية، بل على العكس تسعى الدول لتحويل برامجها الفنية لخدمة هذه المجالات الجديدة، وكما يشير أحد تقارير منظمة اليونيسكو: ”يجب أن يكون التعليم الفني والمهني مكونا أساسيا للنظام التعليمي في كل دول العالم، بلا استثناء”.

لا شك أن بعض الامتعاض الذي نراه أحيانا من حملة الدبلوم تجاه المناخ المهني العام ومدى توافر الفرص يرجع لأسباب إدارية واجتماعية لا دخل لهم فيها، بل قد يكون هؤلاء الشباب ضحية لتدني كفاءة النظام أحيانا أو ظلم المجتمع، لكن هذا لا يعني أن يُقلل من دورهم أحد ولا أن يُقللوا هم من أنفسهم، فحالة السخط واليأس التي يسقط فيها بعضهم هي التي تصنع الامتعاض، وليس حقيقة الوضع الذي لا يخلو من فرص. لقد رأيت في السنوات الأخيرة تكراراً لطريقين ناجحين يسلكهما حاملو الدبلوم، الأول من لا يرضى بوضعه ويكمل دراسته بجهد مضاعف ويخرج من دائرة الفنيين إلى دائرة أخرى يخدم بها وطنه، والآخر من يعمل بجد وإتقان ويرتقي دائرة المهارة ليصل مثلاً إلى تدريب الآخرين أو يصنع ثقة وسمعة وقيمة لمنشأته أو قسمه بإتقانه ما يعمل. أما المتذمرون والساخطون فهم على الأرجح خارج دوائر النجاح، ومع الأسف، بمحض إرادتهم. وأختم بهذا السؤال المشهور: هل يا ترى تفضل السفر في طائرة يقودها قائد متمرس بشهادة دبلوم مهني تطبيقي أم أخرى يقودها خبير استراتيجي أو أكاديمي حائز شهادات وجوائز عالمية في أبحاث الطيران لكنه بلا خبرة؟!

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 27 نوفمبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى تطوير مهني
One comment on “حامل الدبلوم بين الاقتصاد والواقع
  1. غير معروف كتب:

    للأسف داكتر كثير من الأهل وليس الشباب لا يحبذون ان يمتهن ابنهم مهنة يدوية يريدونه قاعب خلف ذلك المكتب دون اي إبداع أو اي تطوير سواء للمؤسسة التابع لها أو لنفسه – ولا اشمل بكلامي الجميع ولكن هذا بصفة عامة – وكذلك نحن استسهلنا استقدام الأيدي العاملة الأجنبية لتقوم مقامنا في هذه المهن .
    ربما أكون سلبية أو متشائمة بعض الشيء ولكن احب بلدي وأريد لها التقدم والتطور
    دمت بخير وأشكرك على هذا الموضوع الرائع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • RT @kbahjatt: اشكر من تطوع في تلخيص #دراسة_سوق_التخصصاتـالماليةـوالمحاسبية بهذا الرسم الانفوجرافيكي، ونسأل الله لهم التوفيق والسداد https:/… 1 day ago
  • @s_alrubaiaan الكسب المعنوي،،،المقصد أن الشخصية الصعبة فيها الملح والسكر والمر والعسل، فالواجب أن يكسب منها الشخص ك… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • لا تكتمل الإنجازات بالهروب من الشخصيات الصعبة! وإنما بالتعامل معها والكسب منها. 3 days ago
  • مثال جيد على أن الحوكمة وإدارة القوى والعلاقات ليست حصرا على علاقة المستثمر بالإدارة فقط، الباب مفتوح لكثير من الم… twitter.com/i/web/status/8… 3 days ago
  • RT @kbahjatt: لولا المشقة ساد الناس كلهم،، الجود يفقر والاقدام قتال twitter.com/TalalJDB/statu… 3 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: