هل يجوز للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في المملكة تبني المعايير الدولية؟

تحتاج المنشآت التجارية إلى معايير محاسبية توحد وتنظم طريقة معالجتها للمعلومات المالية حتى تتمكن من عرض تقاريرها المتوافقة مع هذه المعايير لمن يهتم بأداء هذه الشركة. تُصدِر هذه المعايير جهات محلية مخولة بذلك أو -وهذا الواقع المتغير- جهات دولية تهدف إلى توحيد وتناسق لغة الأعمال (المحاسبة) بين شتى الدول والأماكن. لا تعد هذه المعايير قوانين تفصيلية ذات دقة مطلقة، لكنها بالتأكيد تحوز قدرا معتبرا من التعقيد يستجيب لتطورات الأعمال المستمرة، ما يجعل المحاسب وكل من يتصل بعمله في حاجة مستمرة إلى التدرب والتعلم. لكن.. ماذا عن المنشآت الأصغر حجما؟ فهي، وكما هو معروف، لا تجد القدرة ولا الحاجة أصلا إلى القيام بالدور المحاسبي تبعا لمعايير متقدمة ومعقدة باعتبار التدني النسبي لتنوع عملياتها وبساطة نموذجها الربحي وقدرتها المالية وخلاف ذلك.

لهذه الأسباب قام مجلس معايير المحاسبة الدولية في عام 2009 بإصدار سلسلة من المعايير المخصصة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة. تتسم هذه النسخة المصغرة من المعايير بالبساطة والاستقلالية ومراعاتها كثيرا من خصائص المنشآت الصغيرة والمتوسطة. ولتصور هذا فإنها تقع في 230 صفحة فقط، بينما تقع مجموعة معايير المحاسبة الدولية فيما يزيد على ثلاثة آلاف صفحة.

تُستخدم هذه المعايير من قِبل المنشآت الصغيرة والمتوسطة التي لا تترتب عليها مسؤولية عامة، فهذه المنشآت ليست متاحة للتداول وليست مثلا مؤسسات مالية تقدم منتجات متقدمة. يجب أن يُحدد تعريف المنشآت الصغيرة والمتوسطة المنشآت التي يُسمح لها باتباع هذه المعايير. بساطة هذه المعايير قد تحقق فرص مناورة للمنشآت الكبرى، وعليه يجب ألا يكون استخدامها متاحا إلا لمن يستحق، لذا يُعد وجود تعريف محدد وموحد للمنشآت الصغيرة والمتوسطة -على المستوى المحلي- محوريا جدا، خصوصا لمن يستخدم التقارير المحاسبية المتوافقة مع هذه المعايير كالمصارف ومصالح الضرائب والمستثمرين.

من مميزات هذه المجموعة من المعايير استقلاليتها بالكامل من حيث عدم وجود حاجة الرجوع المعايير الدولية الكاملة، وقد تم تصميمها بهذا الشكل مراعاة للبساطة والمرونة. تراعي هذه المعايير احتياجات المستخدم -البسيطة والمباشرة- من المعلومات حول التدفقات النقدية والسيولة والملاءة، وهي مُنظمة في عدة أقسام حسب الموضوع.

تم التقليل من الإفصاحات المطلوبة في التقارير المالية فانخفضت من ثلاثة آلاف بند في المعايير الكاملة إلى ما يقارب 300 بند في معايير المنشآت الصغيرة والمتوسطة. من أمثلة ذلك حذف إفصاحات التقسيمات القطاعية وإفصاحات أسواق رأس المال مع الحفاظ على إفصاحات التدفق النقدي قصير الأجل والسيولة والملاءة وخيارات السياسة المحاسبية.

من فوائد تبني هذه المعايير رفع فرص الوصول إلى رأس المال. وذلك لأن إعداد التقارير المحاسبية الجيدة والمناسبة لحجم المنشأة يعني فرص فهم أفضل لطبيعة ومستوى العمل الذي تقوم به المنشأة. إضافة إلى ذلك، تُحسّن هذه المعايير “قابلية المقارنة” وجودة المعلومات المحاسبية عموما. يستند مجلس معايير المحاسبة الدولية في بذل هذا الجهد إلى وجود أسباب منطقية قوية تؤكد أهمية هذه المعايير. على سبيل المثال، تشير إحدى الدراسات التي اعتمدت على مسح أكثر من 31 ألف منشأة صغيرة ومتوسطة في 68 بلدا ناميا أن الشركات التي تتمتع بشفافية أكبر تواجه مشكلات أقل بكثير في الحصول على التمويل مقارنة بالشركات الأخرى. كذلك تشير دراسة أخرى قامت بتقصي سبعة آلاف منشأة في 20 سوقا ناشئة إلى أن جودة المحاسبة تؤثر بشكل إيجابي في كفاءة الاستثمار.

يوفر مجلس معايير المحاسبة الدولية مجموعة كبيرة من الأدوات المعرفية والبرامج التدريبية -الخاصة بمعايير المنشآت الصغيرة والمتوسطة- التي يسهل استغلالها وانتشارها باعتبار تناغم هذه المعايير على المستوى الدولي، وهذه في الحقيقة من مكاسب توحيد المعايير المحاسبية دوليا. فهناك نشرات إخبارية ومواد تعليمية ذات قيمة معرفية وتطبيقية عالية يتم تداولها على نطاق دولي ويمكن الحصول عليها بتكلفة معقولة، إن لم يكن بالمجان.

السؤال المهم: هل يجوز للمنشآت الصغيرة والمتوسطة، في المملكة مثلا، تبني هذه المعايير الدولية؟ بصفة عامة، تتبنى المنشآت الصغيرة والمتوسطة هذه المعايير بتلقائية إذا كان القانون المحلي يقضي بتبني المعايير الدولية “الكاملة” لإعداد التقارير المالية أو إذا كان هناك استثناء واضح للمنشآت الصغيرة والمتوسطة أو قانون يَنُص على أنها متاحة للاستخدام بلا قيود. بالنسبة للسعودية، نحن اليوم في مرحلة انتقال من المعايير المحلية إلى المعايير الدولية. قامت الهيئة السعودية للمحاسبين القانونيين في بداية العام بإعلان برنامج التحول للتوافق مع المعايير الدولية الذي يستمر لمدة خمس سنوات تقريبا. ستتم فيه مراجعة -وتعديل المعايير الدولية إن لزم الأمر- لتوائم بيئتنا المحلية من جميع النواحي.

عندما تكون المنشأة صغيرة جدا لا تجد ما يجبرها على إصدار تقارير مالية نظامية، فتتكاسل عن النظر في المعايير المحاسبية، بل قد تتجاهل الدور المحاسبي بالكامل. لكن في لحظة الاضطرار، تبحث المنشأة عن محاسب بصورة عاجلة ليقدم تقريرا اضطراريا مستعجلا يفتقد القيمة الحقيقية التي تضيف إلى العمل ويستفيد منها المالك والأطراف الأخرى كذلك. صغر حجم العمل أو عدم وجود حاجة نظامية إلى إصدار التقارير المالية لا يعني أن العمل لن يستفيد من وجود هذه المعايير، فهي تقنن الإجراءات المحاسبية وتطرح أفضل الممارسات التي تساعد على ضبط ومعرفة حركة العمل من النواحي المالية والمحاسبية. مجرد الاطلاع على الإجراءات المحاسبية التي تشير إليها مجموعة المعايير الدولية يُعد ثقافة مالية جيدة تساعد المالك على إدارة منشأته. التطبيق المبكر لهذه المعايير يصنع فائدة مبكرة بالوقاية من الخسائر الناتجة عن تدني مستوى الشفافية، أو تخفيضا لتكاليف قد يضطر إليها في وقت لاحق ومتأخر.

*نشر في الاقتصادية بتاريخ 20 نوفمبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى محاسبة للمحاسبين, محاسبة ومالية, حسابات الريادة, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬811 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • @m_alalwan @ahmed_fin هي درجات بين استخدامنا للتردد والتوقع، الناجح يتوقع ويعمل، الفاشل يتردد ولا يعمل، والفيلسوف يتوقع ويتردد...ولا يعمل :) 16 hours ago
  • بسبب تحديات سوق التجزئة ستكثر عروض التقسيط (بعضها بلا عمولة).. وهذا يضمن للبائع علاقة ربحية دائمة، وللمستهلك (صرف) دائم! 16 hours ago
  • بالانتظار twitter.com/stats_saudi/st… 1 day ago
  • RT @Reem_ksh: هنا اختصرت اهم التغييرات في التحول من المعايير المحاسبيه السعوديه الى الدوليه #سوكبا #محاسبه https://t.co/Wm5t7JFzaM 2 days ago
  • RT @__1w: @TalalAlmaghrabi @TalalJDB معليش الشباب مشغولين بخطوط اديل !! الخطوط السعودية لا تنوع طرق الدخل من قطارات و باصات وغيرها !! سلم… 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: