«ريادة الأعمال» والمنشآت الصغيرة .. تمازج أم ارتباك؟

يكثر تداول المصطلحات: ”ريادة الأعمال”، ”المنشآت الصغيرة”، و”المؤسسات الناشئة” في السياق نفسه ويُقصد بها أحيانا المعنى نفسه، ومن المتوقع أن يزيد هذا التعاطي على الرغم من وجود فروق معتبرة بينها. تداول هذه المواضيع من شريحة واسعة يُحدث تداخلا بين المعاني وسوء الفهم أحيانا. ولا يُلام من يواجه بعض الصعوبات في إدراك معانيها الحقيقية، فالمفاهيم الجديدة وتلك التي يعاد طرحها على ساحة الاهتمام تثير حتى المختصين والخبراء، وتجعلهم أحيانا في حيرة من كيفية تفسيرها وربطها بالواقع المتسارع. لكن يجب على الأقل معرفة المنظور الذي يتداوله كل من هذه المصطلحات نسبة للآخر.

هناك تفسيرات متعددة ومتفاوتة لمصطلح ”ريادة الأعمال”، بينما يتوحد استخدام تعريف ”المنشآة الصغيرة” في كل دولة على حدة؛ لأن كل اقتصاد يَصنع ويعتمد التعريف الذي يخدمه ويحقق أهدافه. لن يقدم هذا المقال أي محاولة للبت أو لإبداء الرأي حول التعريف الأمثل لأي من هذه المصطلحات، لكنه سيحاول توضيح ملامح كل من المصطلحين ”ريادة الأعمال” و”المنشآت الصغيرة” نسبة للآخر، ولماذا يكون التفريق الجيد بينهما مهما للباحث عن العمل الحر والداعم والمهتم.

يمكننا القول إن ”ريادة الأعمال” هي أكثر الألفاظ المرحب بها لترجمة المصطلح الإنجليزي Entrepreneurship، وهي أساسا تتحدث عن أسلوب لإدارة وأداء العمل التجاري، وهذا الأسلوب يتناول طريقة أداء العمل، ودافع نشوئه، وأثره ونتيجته. وهو لا يقتصر على تأسيسه فقط أو على فئة معينة من الأعمال التجارية. على سبيل المثال، قد يكون دافع العمل عند ريادي الأعمال تغيير طريقة تعامل الناس مع منتج معين، في حين تعتمد طريقه عمله على المغامرة أو الابتكار المستمر. وأما أثر العمل الريادي فقد يكون مثلا بالتوسع الجغرافي أو تحويل العمل من فردي إلى مؤسسي في فترة وجيزة أو محاولة جذب المستثمرين أو الاستحواذ على أعمال أخرى.

في المقابل، يشير الحديث عن المنشآت الصغيرة إلى قطاع من قطاعات الأعمال يتم تمييزه عن القطاعات الأخرى باستخدام الحجم، وقد يُحدَد الحجم بالإيرادات أو عدد الموظفين أو غير ذلك. إذن ”ريادة الأعمال” هي مفهوم أو فكرة متسعة ذات مغزى تحفيزي عن أسلوب ممارسة الأعمال التجارية، بينما ”المنشآت الصغيرة” هي شريحة محددة من المنظمات التجارية تُصنّف لغرض الاستهداف والدعم.

من ناحية أخرى، يُجمَع الحديث عن ”ريادة الأعمال” مع ”العصامية” والنمو من الصفر وتحويل العمل التجاري من العشوائية إلى التنظيم. والحقيقة، هذه الأفكار والسلوكيات هي من سمات العمل الريادي، لكن لا يمكن أن نحصر ونحدد ”ريادة الأعمال” بمجرد الانتقال من مرحلة صغرى إلى أخرى أكبر. بالنسبة للمنشآت الصغيرة، لا توجد علاقة بين تصنيفها كمنشأة صغيرة وبين عمرها أو كيفية تأسيسها أو تحوُّلها. تلك المنشآت التي تحت التأسيس أو التي لا تزال في هذه المرحلة الانتقالية يطلق عليها منشآت ناشئة أو Start-Ups سواء كانت تستخدم النماذج الريادية أو النموذج التجاري التقليدي.

يتم عادةً ربط ”ريادة الأعمال” مع الاستعداد لأخذ المزيد من المخاطر، ثم يُسقَط هذا القدر من المغامرة بالضرورة – في نظر البعض- على المنشآت الصغيرة. وهذا مثال واضح لارتباك الفهم الذي يحصل هنا بين المفهومين، وهو ارتباك خطير يسبب الخسائر. ”ريادة الأعمال” بطبيعتها تحول المصادر المتاحة القليلة إلى نجاحات عظيمة بخوض مخاطر عالية نسبيا. لكن يجب التنبه هنا إلى أن للمخاطرة حدا أعلى لا يجب تجاوزه، وإلا خرجت عن نطاق العمل التجاري وأصبحت أقرب إلى اللعب والمقامرة. في حين قد يستخدم العمل في المنشآت الصغيرة أسلوب ”ريادة الأعمال” في أخذه للمخاطر، لكنه قد يستخدم أيضا النموذج التقليدي. لهذا، تعد المنشأة الصغيرة التي تعتمد على نموذج كلاسيكي مجرب بمنتج حيوي وزبون جاهز – مغسلة ملابس مثلا- طريقة للكسب المادي الجيد بمخاطر معقولة. هذا النموذج لا يدخل ضمن مفاهيم ”ريادة الأعمال”، لكن هذا لا يعني أنه يمثل فرصة غير جيدة. الفرص التجارية والربحية المتميزة تكثر خارج نطاق مفاهيم ”ريادة الأعمال” كما تكثر بالتأكيد داخله.

تُدعم المشاريع التجارية لأغراض اجتماعية تنموية (دعم حكومي أو خاص غير ربحي) أو لأهداف ربحية بحتة. في النوع الثاني، يُوجّه الدعم عادةً لريادة الأعمال أو المنشآت الصغيرة بلا تفريق واضح، حيث يلجأ الداعمون (ممولون ومستثمرون) إلى استهداف المشاريع ذات المخاطر المقبولة بالنسبة لهم. أما في النوع الأول ذي الأهداف التنموية والاجتماعية، يتم التفريق بين ”ريادة الأعمال” والمنشآت الصغيرة أو المتوسطة في حالة تحقيق الدعم (الذكي والموجّه) لأهداف تنموية خاصة. مثلا: قد تكون هناك حاجة إلى الإبداع والتجديد فيتم دعم الأعمال الريادية لطبيعتها الخلاقة، أو تنوي الدولة مثلا أن تقود المنطقة في الخدمات المعلوماتية فتدعم الريادة التقنية. في حين تُدعم المشاريع الصغيرة لتوفير الخدمات الأساسية، كالمواد الاستهلاكية، أو فرص العمل كما يحدث في التنمية القروية. عند الداعم (التنموي أو الاجتماعي) تُشكّل المخاطر عقبة يتم تذليلها، لكنها لا تُعد سبباً لتحديد الأهداف والعوائد.

يشير مصطلح ”ريادة الأعمال” إلى الأعمال الربحية فقط. لكن، ظهرت أخيرا نماذج من ”الريادة” الاجتماعية والوظيفية تتجاوز المفهوم الربحي. تبقى ”ريادة الأعمال” مصطلحا جذابا يدل على أفكار إيجابية تزيد من الفعالية والإنتاجية، وأحيانا سِمات شخصية يسعى الناجحون للحصول عليها. وكما يذكر بعض المختصون الغربيون، هي ليست وظيفة أو منصبا يستطيع الشخص أن يحمل اسمها، بل سمة إيجابية نسعى لها ولا ندّعيها. وتبقى المنشآت الصغيرة مجرد تنظيم وتصنيف لقطاع من الأعمال قد تُمارَس معه ”ريادة الأعمال” وقد لا تُمارَس.

 

* نشر بالاقتصادية بتاريخ 13 نوفمبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...

خطأ: لم يستجب تويتر. يُرجى الانتظار بضع دقائق وتحديث هذه الصفحة.

التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: