المنشآت الصغيرة ومحاور التنوع

قد يكون من المناسب وصف المنشآت الصغيرة والمتوسطة، حتى تلك المنشآت التي تُمارس فيها ريادة الأعمال، بأنها وحدات منتجة صغيرة نسبياً وذات تنوع معتبر في الحجم ونوع النشاط، إضافة إلى مستوى المخاطرة والتنافسية والإبداع وكثير من المعايير والاعتبارات الأخرى. هذا التنوع هو في الأساس محور الاهتمام العالمي بهذا القطاع، فتنوعه يضيف إلى مرونته العالية ليصبح ملائماً كمخرج فاعل للمشكلات الاقتصادية، إذا حَسُن استغلاله. وهو سلاح ذو حدين، فهو يشكل أيضا عامل التعقيد الأكبر في عملية إدارة وتوجيه قطاع المنشآت الصغيرة.

لقد رأينا كيف تنال مصطلحات المنشآت الصغرى وريادة الأعمال في المناظرات الرئاسية الأمريكية الأخيرة تكراراً وتلميحاً لافتين. ديفيد كاميرون رئيس الوزراء البريطاني، أعلن أخيرا برنامجا للتمويل الذكي المرتبط بمستوى الإنتاجية يستهدف موردي المنشآت الكبرى، وهؤلاء الموردون هم عبارة عن منشآت صغيرة ومتوسطة. ولا تزال تجارب ريادة الأعمال مستمرة في دول إفريقيا لافتةً انتباه المنظمات ومبتكري نماذج الدعم. هذه التحركات والأخبار المستمرة ليست إلا نتيجة لغرف عمليات تخرج بقرارات ذات تصميم وإرادة بأهداف واضحة للاستفادة من هذه الهيكلة الجديدة في البُنى الاقتصادية. الواقع يشير إلى مزيد من الاهتمام بها على مستوى الكثير من دول العالم المتقدمة والنامية.

قبل التعرف على أهمية محاور التنوع لا بد أولا من تفعيل دور إدارة هذا القطاع والعمل على تسخيره فعليا لخدمة الاقتصاد والتنمية. وهذا يستدعي وجود غرفة عمليات لديها القدرة على صنع ومتابعة القرارات والتنظيمات المتتابعة التي تتفق مع الهدف المنشود. المقصود بغرفة العمليات تفعيل دور القائد ”الاعتباري” المتفرغ لهذه المهمة. إذا لم يوجد هذا القائد الاعتباري أو إذا وُجد ولم يتفرغ لها أو لم يحز كل المصادر والإمكانات ذات العلاقة، لن يقوم بمهمته على الوجه المطلوب وسيفشل حتما الدور المأمول للمنشآت الصغيرة. لا يقتصر دور قيادة هذا القطاع (وهو الدور المحتمل لهيئة المنشآت الصغيرة والمتوسطة المنتظرة) على توحيد إصدار تراخيص العمل أو ترويج وتنظيم برامج التمويل، بل تكمن أهميته في إدراك محاور التنوع التي ستمكنه من تحقيق أهدافه، حيث تصبح كل السياسات والبرامج في تناغم بناء متوافق مع الواقع. وإلا، سينقلب الدعم المتوافر والشراهة على برامج التمويل إلى توريط مُحبِط لرياديي الغد لا يستفيد منه إلا من يبحث عن أهداف خدّاعة قصيرة المدى.

التعرف على محاور التنوع للمنشآت الصغيرة يمكننا من إدراك مستوى المرونة الموجود والمحتمل، بالتالي يصبح التحرك ممكناً بأخطاءٍ قليلة. المطلوب هنا هو أخذها في الاعتبار حين تُصنع القرارات وقبل أن تُعلن الاستراتيجيات والأهداف. وهذا بالتأكيد يحتم على هذا القائد الاعتباري وفريق عمله معرفتها جيدا، بل حتى يُستوجب عليه حيازة الأدوات التي تمكنه من صنع وابتكار محاور جديدة لم تكن موجودة.

من محاور التنوع: الحجم، وهو يقاس بأكثر من طريقة كمستوى الإيرادات أو الربح أو عدد الموظفين، وتحديد الحجم (بوجود آلية ومرجعية محددة وموحدة) يحدد الكثير من الاعتبارات وتأثيره معروف وواضح في خيارات التوطين والتمويل مثلا. من المحاور الأخرى: طبيعة النشاط ونوعه. تتنوع طبيعة النشاط التجاري للمنشآت الصغيرة والمتوسطة بين تقديم الخدمات وبيع المنتجات أو صنعها. وأما نوع النشاط فهناك مثلا التعليمي والترفيهي والاستهلاكي والصناعي، والتفرعات متزايدة. هذه التصنيفات المتعددة لا تزال غير موحدة على مستوى البيئة الاقتصادية المحلية، فهناك منها ما يستخدم لأغراض التصدير والاستيراد، أو الموازنات الحكومية، أو تصنيفات الجهات المُصدّرة للتراخيص مثلا. الاختلاف طبعا متوقع، لكن ضبطه واجب، خصوصا لغرض إدارة القطاع محليا. هذه التصنيفات ليست قوالب عامة يحق لأي جهة تعديلها وتخصيصها بحرية تامة، فهذا الاختلاف يورد الارتباك ويصنع النشاز ويجعلنا نتساءل في الأخير: لماذا هناك تعارض؟ لماذا لا يستطيعون التنسيق فيما بينهم؟! التنسيق بالطبع مستحيل إذا لم تكن لغة التواصل موحدة.

إلى جانب الحجم، وطبيعة النشاط ونوعه، هناك العديد من محاور التنوع التي يجب إدراكها أيضا، وهي مهمة جدا في عملية تفعيل المنشآت الصغيرة. من ذلك تقسيم هذه المنشآت حسب: مستوى المخاطرة، تكلفة دخول السوق، النمو، التنافسية، المعرفة المتراكمة، حاجتها إلى التمويل، دورتها الاقتصادية وتفاعلها المجتمعي، وغير ذلك مما يشكل مصفوفة معقدة تحتاج إلى التفكيك والفهم والتعاطي المستمر.

هناك العديد من الأمثلة لتأثير هذه المحاور، وهذا التأثير – إن لم يُستغل جيدا – قد يصبح مدمرا لبيئة المنشآت الصغيرة وللتنمية ككل. فلو افترضنا ملاءمة نظام ”نطاقات” لعشرة قطاعات على سبيل المثال، فهو قد يُخرِج (في الوقت نفسه) عشرة قطاعات أخرى من دائرة الجدوى. وحل هذه الإشكالية غير ممكن إذا اعتمدت كل جهة على تصنيفها الخاص بها. من الأمثلة الأخرى كذلك: قرار دعم ورفع رواتب معلمي ومعلمات المدارس الأهلية. هذا القرار الإيجابي له بطبيعة الحال وقع مختلف على المدارس بأنواعها، فالمدارس الكبيرة تجد فيها مجرد تحد نقدي مؤقت، بينما يشكل لمدارس أخرى أصغر تذكرة الخروج من النشاط. وهذا أثر مُبرَر لو كانت نية القرار فلترة وتصفية المنشآت الموجودة في هذا القطاع، فالذي لا يحتمل الوجود يخرج مضطرا. القرار الأخير عموماً لا يشير إلى تغيير من هذا النوع. هنا يجب انتباه القائد الاعتباري، أو غرفة عمليات هذا القطاع، إلى أهمية الخروج بتصنيفات محددة واستراتيجيات ملائمة وواضحة تأخذ في الاعتبار التنوع والمرونة الموجودة والمحتملة وتحقق الاستفادة منها.

* نشر بالاقتصادية بتاريخ 30 أكتوبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: