المصارف الكبرى وريادة الأعمال.. قوة دعم كامنة

إذا كانت المؤسسات الكبيرة والضخمة هي الأعمدة التي تحمل بناء الاقتصاد، فالمنشآت الصغيرة هي أحجار البناء. وقطعاً، لا تكفي الأعمدة وحدها ولا الأحجار وحدها لتشييد الأبنية، لا بد من التكامل الخلاق بينهما. في ثنايا هذا التكامل تكم الحلول التي تعالج ضعف دعم المؤسسات المالية للمنشآت الصغيرة والناشئة.

يُشكك البعض في مدى تَقبّل المؤسسات المالية – وهي مؤسسات وطنية قوية – لأخذ المخاطر والانخراط في مشاركة اقتصادية حقيقية ذات أثر مباشر في المجتمع. من جانب آخر، تشير الدراسات الحديثة حول ريادة الأعمال والمنشآت الصغيرة إلى أن اقتصاديات الأسواق الناشئة تقوم على أعمال ريادية تعتمد على المؤسسات الرأسمالية الضخمة. كذلك، تستمر الدعوة إلى تخصيص الحلول الريادية لكل بيئة حسب وضعها الخاص، حيث إن نَسْخ التجارب كما هي سيدفع باتجاه الفشل.

هنا يُصنع السؤال: هل يجب على المؤسسات المالية القيام بدور ريادي تنموي ومهمة ابتكارية ذات ملامح محلية عن طريق قطاع المؤسسات الصغيرة والناشئة؟ أم أن مسؤوليتها تنحصر في التمويل المحدود والخدمات المصرفية والمالية المباشرة التي تتبع سياسات وبرامج الحماية من المخاطر، سواء تلك السياسات المتحفظة التي تصممها المؤسسة المالية بنفسها أو البرامج المقننة التي تشترك في وضعها المؤسسات الداعمة للمنشآت الصغيرة والناشئة، كبرنامج ”كفالة” مثلا.

التأثير والقدرة على التغيير يأتيان من الأكثر تطوراً والأفضل تجهيزا، وهذا ما تتصف به مثلا المصارف المحلية مقارنة بالعديد من القطاعات والمؤسسات الأخرى. تمتلك المصارف المحلية عمقا تنظيميا معتبرا وتجربة يشاد بها في التوطين، إضافة إلى نتائج تشغيلية مبهرة بلغة الأرقام. هذا لا يشير بالضرورة إلى الفاعلية الإدارية في هذه المؤسسات – وهي موجودة على الأرجح – إلا أنه بالتأكيد يشير إلى وجود بيئة اقتصادية إيجابية وقوى مؤسسية مُستغلة. إضافةً إلى ذلك، أثبتت المصارف المحلية قدرتها على الاستجابة السريعة لكثير من المتغيرات حتى إن قوام الأرباح لديها تغيَّر أكثر من مرة على مدى السنوات الأخيرة. فكانت الصناديق الاستثمارية وسوق الأسهم والقروض الشخصية والتجارية تدر الربح لها بنسب مختلفة في فترات مختلفة.

لكن، قد تُوصف المصارف والمؤسسات المالية عموماً بجمود نسبي في لغة الابتكار، تلك اللغة التي تُبهر المستهلك بالتنوع والتجديد المستمر للمنتجات وبالتفرد في طريقة الاستجابة لحاجات المستهلك ورغباته. هذا وصف يفتقر إلى الدقة، حيث إن العمل المصرفي بطبيعته يتسم أصلا بالرتابة الفنية. القيام بأي أدوار غير مصرفية يكاد يكون خارج نطاق عمل هذه المؤسسات فنياً بل حتى نظامياً وقانونيا. وبالنسبة للمصارف المحلية لا توجد أصلاً حاجة ملحّة إلى الابتكار، فالمؤسسات عموماً تضطر للابتكار حين تعجز عن تحقيق الربح بالطرق التقليدية المباشرة وتصبح مضطرة إلى خلق فرص جديدة مختلفة، وهذا ما لم تتعرض له هذه المؤسسات بعد.

لذا، لن تنخرط المصارف المحلية في أي نشاط ذي مخاطر مرتفعة نسبيا – كدعم المنشآت الصغيرة بأدوات المشاركة مثلا – إلا إذا قلّت نسبة المخاطر أو إذا وَجدت ما يحفزها، بل يضطرها للدعم. ولنصل إلى ذلك يجب العمل أولا على صنع المحفز الذي يبدأ من البيئة التجارية نفسها وليس من المصرف أو من جهة ترعى برنامجا تمويليا محدد الأهداف. محاولة تغيير السلوك الاقتصادي بتقنين مبالغ فيه يجعل الأثر محدودا، والمفترض أن يكون البدء بتغيير ملامح البيئة الاقتصادية ككل، تغييرا تدريجيا مُخَطَطا له.

على سبيل المثال، قد تكون بداية هذا التغيير بتضييق خيارات الوافد المُتاجِر عمليا – وليس نظرياً فقط – لأن تَمَكّن الوافد – ولو كان بوسائل غير نظامية – هو المهدد الأكبر للعمل الوطني في المنشآت الصغيرة. من جانبٍ آخر، يجب تشجيع المصارف الكبرى للمشاركة في النشاطات الاقتصادية غير المصرفية عن طريق شركات تابعة متخصصة، وهذا مجرب في استثمارات الأسهم والصناديق. إضافةً إلى ذلك، للمعرفة دور محوري يشترك فيه الإعلام والتدريب وتتبناه المؤسسات المهنية والتأهيلية. وهكذا، وبشرط التنسيق المستمر والفعّال إضافة إلى رواج معايير الاستقلالية والنزاهة، قد تبدأ ملامح النظام البيئي المحفز لدعم ريادة الأعمال بالتشكل. وهكذا، يحفز هذا النوع من التغييرات الهيكلية الأذرعة الاستثمارية في المؤسسات المالية للتفاعل مع القطاعات الناشئة. يستحيل أن نجبر المصرف أو المستثمر على دعم المؤسسة الصغيرة الضعيفة، لكن بيدنا تحويل الفرص الخجولة إلى أخرى مغرية وجذابة، ومفيدة كذلك.

تقوم اليوم المؤسسات المالية العالمية الكبرى بإنشاء شركات متخصصة (مثلا: إنشائية تدعم البنى التحتية والاتصالات أو عقارية تعيد تطوير الأحياء) تستجيب لحاجات المجتمع المحلية والتنموية. تمكّن هذه الضرورة التنموية المؤسسات الكبرى من إظهار قوى الدعم الكامنة لديها. وقد تكون هذه الفرص هي الأفضل لاستثمار الكفاءة المتوافرة في مردود راسخ ومستدام، وهي فرص لا تتحق إلا بالابتكار والجرأة. يتم بهذا المجهود تعويض الهدر الذي حصل سابقاً بعد تضييع الطاقات الكامنة وتجاهل فرص إدارة المصاريف وابتكار المنتجات وتحرير الأسواق. التحرر المؤسسي من القيود التقليدية لهذه الصناعة، إضافة إلى الاستفادة من القدرات التنظيمية والبشرية، سيشكل قوة دفع إيجابية لعدد من القطاعات والصناعات الأخرى، لا سيما الريادي منها.

* نشر بصحيفة الاقتصادية بتاريخ 26 سبتمبر 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى إدارة وتحفيز, اقتصاديات وطن, التمويل الإسلامي, تنمية ومجتمع, ريادة أعمال

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
  • #ابايع_محمد_بن_سلمان_وليا_للعهد على السمع والطاعة في المنشط والمكره، واسأل الله له التوفيق والسداد وأن يمده بعون من عنده لحمل هذه الأمانة 1 day ago
  • RT @Najd_AlKharashi: @TalalJDB مقالك رائع يا دكتور 👍🏻فعلا دائما يصورون للشباب أن الثراء لا يأتي الا بالتجارة ولكن الاحترافية المهنية مصدر ل… 2 days ago
  • @freemansc1 هي ليست من المسار المهني "التقليدي" للمهندس، مجدية؟ نعم أكيد. قد تكون إضافة إذا كنت مستعد للتحول أو الت… twitter.com/i/web/status/8… 2 days ago
  • RT @DrAmeghames: احث الاخوة والاخوات الحاصلين على بكالوريوس محاسبة او دبلوم محاسبة بتعبئة نماذج البحث عن وظيفة من الرابط التالي https://t.… 3 days ago
  • RT @Gosibi: أسس جمعية الأطفال المعوقين وعمل آخر 30 عاماً من عمره مجاناً، حيث حول رواتبه كلها دعماً للجمعية، ما لا تعرفه عنه https://t.co/FS… 5 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: