التدخين و«اللوبي» اللا إرادي!

تصرف شركات التبغ في الولايات المتحدة ملايين الدولارات سنوياً على الحملات التي تدعم موقفها لدى الساسة والمشرّعين. تُعرف هذه الحملات بـ”لوبي” التبغ (اللوبي: حراك منظم للتأثير على صناعة قرار ما)، وهي في مواجهة مستمرة مع البرامج التي تحارب التدخين. غالبا ما تكون المواجهة مباشرة وشرسة في محاولات التأثير في صُنّاع القرار، كما في قضايا تعويض المتضررين من التدخين، التي يحرص كل طرف فيها على تسجيل سابقة قانونية تدعم موقفه وتحدد الكثير من التوجُهات التشريعية القادمة.

سُجلت في الولايات المتحدة في الآونة الآخيرة نجاحات باهرة للجهات المناهضة للتدخين، حيث تمكنت من التشجيع على إصدار تشريعات تمنع التدخين في المطارات والأماكن العامة وتحصّل المزيد من الضرائب التي تعود بالنفع على المواطن الأمريكي من جهتين: دخل حكومي يستخدم في الخدمات العامة، وتقليل نسبة المدخنين وتكاليف علاجهم المحتملة. لكن الكثير من هذه التشريعات لا ترى النور وتُجهض قبل خروجها بحجج ومبررات تستخدمها شركات التبغ عن طريق “اللوبي” الخاص بها كالتضرر المحتمل لصغار المزارعين الذين يقدر عددهم بالآلاف وفقدان الوظائف المحتملة في هذه الشركات، وما يتبع ذلك من أضرار اجتماعية وغيرها.

تقوم الدول المتقدمة بجهود حثيثة للحد من التدخين وتدعم فيها الحكومات الجهات المناهضة للتدخين عن طريق التشريعات وتنفيذها، وعن طريق الدعم المباشر للحملات والبرامج الإبداعية المتنوعة. تقنن دول مثل بريطانيا وأستراليا من وسائل الترويج لمنتجات التبغ، في حين تتزايد باستمرار المناطق الخالية من التدخين في دول مثل روسيا وألمانيا. وهذا في الحقيقة ليس من باب الرفاهية الصحية أو لتضييق الخناق على صُنّاع التبغ فقط، لكن لأن الحد من هذه الظاهرة كفيل بتحسين صحة المجتمع تنموياً وليس الصحة الجسدية للفرد المدخن فقط. تعتبر صناعة التبغ بمختلف منتجاته موطن هدر وتدمير لمختلف الثروات البشرية وغير البشرية الثمينة. تبعاً للبحوث العلمية المتوالية والمستمرة أصبح واضحاً وجلياً أن المصلحة تقع في الخلاص من التدخين والتقليل من ممارساته بأي الوسائل الممكنة. لا تشجع الدول استخدام التبغ وبعضها يحاول بجدية الحد من انتشاره، لكن المعضلة أنها في الوقت نفسه تسمح ببيعه والمتاجرة فيه.

المعادلة لدى الدول المستهلكة لهذا المنتج – كالسعودية مثلا – أبسط بكثير. لا يوجد “لوبي” نظامي لدعم شركات التبغ أو الموردين المحليين، لكن لا يوجد في الجانب الآخر تنظيم إقليمي أو محلي لمجموعة البرامج المختلفة التي تحارب التدخين. منتجات التبغ ذات رواج عال وتكلفة ميسرة ونمو سوقي مرتفع، فالأنواع الجديدة تستمر في الدخول والأسماء تتجدد بإستمرار. بل إن جهود المحاربة التي تقوم بها الجمعيات المتنوعة ذات تأثير محدود، فلا نسمع عن أي تكرر أو تنوع في التشريعات الخاصة بحماية المجتمع من هذه الآفة الخطيرة على غرار ما يحدث في الدول الأخرى. وعلى الرغم من التطور الإيجابي الأخير بخصوص منع التدخين في الأماكن العامة وتزايد النداءات التي تطالب الحد من انتشار هذه الظاهرة إلا أن رواجها مستمر، وكأن الأطراف المستفيدة من رواج هذه التجارة لديها عناصر ضغط، أو “لوبي” يواجه ما تقوم به جمعيات معالجة سلبيات التدخين. لذا، تهون لدينا جهود محاربة التدخين مقابل مغرياته. والأقرب إلى الحقيقة هو أن جهود المجتمع في الحد من هذه السلبيات كانت – وما زالت – ضعيفة جدا إلى درجة أنها صنعت “لوبيا لا إراديا” داعما للتدخين ومنتجات التبغ وهو يتكون من المستهلكين والسلبيين.

نعم، “لوبي” لا إرادي! هذا ما يحصل عندما تتمكن الحملات العفوية التي لم يصنعها أحد من التأثير في صناع القرار (ببطء استجابتهم، مثلاً) وتحفيزهم على جعل التشريعات تخدم الظاهرة السيئة وتفتح لها أبواب الاستمرار والانتشار. في الجانب المقابل تعجز الحملات الإيجابية المناهضة عن محاربة هذا “اللوبي” اللا إرادي، لشراسته وقوته التي يستمدها من خمول الهرم التشريعي والتنفيذي والاجتماعي ناحية التدخين. فتنجح شركات توريد التبغ في التمركز في الأسواق والوصول إلى مختلف الشرائح ذات القوى الشرائية المختلفة، بل تحوز موقعا استراتيجيا في خريطة الترفيه الاجتماعي المتمثلة في المقاهي والمجالس وعلى أرفف متاجر الضروريات كالبقالات، وفي الوقت نفسه تفرض سيطرتها على مواقع أخرى “كالبوفيهات” ومداخل المنشآت العامة ومخارجها.

نحن نعيش اليوم تحت تأثير العديد من “اللوبيات اللا إرادية” التي تنتج بعفوية وطيبة المواطن المسؤول، فتصبح كالحملات المنظمة التي تستهدف انتشار آفات الفساد والخراب في الهيكل التنموي والاجتماعي. “اللوبيات” المُنَظمة والمؤثرة، بما فيها أي “لوبي” لا إرادي، لا تُواجه إلا باستخدام “لوبي” آخر وبتنظيم أعمال اجتماعية إيجابية مناهضة تهدف إلى تفكيك وتوضيح أثر الظاهرة السلبية وقاعدة وجودها للجميع. إن لم نسرع في محاربتها ومواجهتها وتعريتها فستتمكن هذه الجهود العفوية السلبية من الجميع ويصبح المجتمع وصنّاع قراره ضحية تأثير الإهمال العفوي المُدمر، أو “اللوبي” اللا إرادي!

 

*نشر في صحيفة الاقتصادية بتاريخ 16 سبتمبر 2012

نبذة

Contributor

أرسلت فى كتابات آخرى, إدارة وتحفيز, الفساد, تنمية ومجتمع

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬809 متابعون آخرين

انستقرام
#لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي... التايمز.. #لندن تحذير بريطاني جديد وغريب..."لا تغسل الدجاج" بسبب بكتريا تسبب تسمم غذائي...حيث أن غسل الدجاج يسبب وصول البكتريا اثناء الغسل ليد الإنسان وقد تصيبه...وهي مشكلة حقيقية قد تصل مضاعفاتها للوفاة!
  • @ee_ee50 كذلك الموازنة التشاركية جديدة نسبيا، وقد تكون استمدت بعض أفكارها من تطبيقات المحاسبة الإدارية..ولكن يحتاج بحث.. 1 day ago
  • @ee_ee50 لا يوجد عندي معرفة مسبقة حول هذه النقطة تحديدا، ولكن يظهر بأن السياق المختلف (داخل المنشأة وعلى مستوى المجتمع). 1 day ago
  • @ee_ee50 عفوا لم أفهم المقصود ب "الموازنة بمشاركة المواطنون والأفراد" وبقية السؤال غير واضحة كذلك.. 2 days ago
  • @ahmed_fin وتعريف الأيدولوجية مرن بطريقة توسع من استخدامات كلمة مؤدلج، في تشابه نوعا ما بالجدل بين اسلامي واسلاموي بس بالعكس. 2 days ago
  • @ahmed_fin أنا كنت أمزح :) بس كلامك سليم، مؤدلج كلمة عادية ولكنها تستخدم لدينا للتلميح عن أدلجة ربما تكون غير إرادية أو بفعل فاعل. 2 days ago
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: