الفكرة بين الحماس والجدوى

طار الشاب المتحمس بتلك الفكرة المبدعة واستشار أحد أعمامه الذي يقاربه في العمر، فلم يُثَبّط من معنوياته كالبقية، قائلاً له: توكل على الله، فكرتك طَموحه ومبتكرة ورائعة! تكمن الفكرة حول استخدام مخلفات ورش الحدادة في صنع التحف. معتمداً على إبداعه في التشطيب اليدوي لهذه التحف، قام بتأسيس الورشة في فناء منزله بشرائه لبعض المعدات الفنية. استأجر معرضاً مميزاً وأحضر موظفاً ليبيع به، وبدأ في صنع 5 إلى 10 قطع شهريا. متجاهلاً للتهكمات والسخرية، قام فعلا ببيع العديد من القطع بأسعارٍ جيدة. فأصبحت قِطَعَهُ فوق رفوف المكاتب الفاخرة وبجوار المقاعد الوثيرة. واستمرت بذلك تباشير السعادة لبعض الوقت.

لاحقاً، وجد أن المبيع لا يغطي مصاريف المشروع، وبدأت مشاكل السيولة في الظهور. قام حينها بدراسة جدوى المشروع بأكثر من سيناريو ووجد بأنه حتى لو وسع قاعدة عملائه، فإن وارد المبيع لن يكفي أيضا لتغطية المصاريف. وذلك لمحدودية أعداد التحف التي يستطيع صنعها يدوياً بنفسه. هنا فهم هذا الشاب الحد المتأصل في طبيعة مشروعه والمتعلق بقدراته اليدوية وإمكانياته الانتاجية. تمنى حينها بأنه درس مشروعه بتأني قبل أن يبرم العقود ويشتري المعدات!

يبدأ المشروع بفكرة هشة، وتتبلور مع البحث والاستشارة متحولة إلى فكرة متكاملة في قالب استثماري تجاري. حينها تبدأ الفكرة في التجسد أمام صاحبها معلنة جاهزيتها للدخول في اختبارات التقييم ومراحل التصفية المختلفة. وهنا، يتعجل البعض فلا يختبرها بعناية، أو يخاف منها فيهملها قبل الفحص والتمحيص. هذه المرحلة التي نتطلع فيها إلى صنع قرار الاستمرار هي المطب الأكبر للفكرة. إذا لم تكن الفكرة مجدية لصاحبها أو مقنعة في قدرتها على تحقيق الأهداف التي رسمت لها، و إذا لم تنقذها التعديلات، سيكون الرفض هو مصيرها التلقائي.

لا يوجد قانون محدد للتفكير وتخطيط المشاريع ولا قاعدة معينة يجب على الكل اتباعها. الإجراءات التي تمكن من نجاح تخطيط المشروع قد تختلف من شخص لآخر ومن بيئة لآخرى. تثبت التجارب بأن الطرق تتعدد وتتنوع وإن أظهر العرف التجاري والريادي وجود نماذج ومستندات محددة تقنن أساليب التخطيط والتقييم. من هذه النماذج دراسات الجدوى المبدئية والتفصيلية وخطط العمل وبوصلة الأعمال و تحليلات التكلفة والمنفعة وغيرها، والتي تحاول تغطية عدة محاور كالربحية والنمو والسيولة ونموذج البيع والانتشار السوقي وتفاصيل المنتج إضافة إلى بعض المحاور الآخرى. تتنوع هذه المستندات والنماذج وتتراوح في العمق والتغطية، وقد يُخلط بينها كثيراً، بقصد أو بغير قصد.

يجب أن لا يخوض الريادي، أو صاحب الفكرة، في تعقيدات هذه المستندات والنماذج، بل يحدد احتياجه منها ويتحلى بوعي مناسب عن أدوات التخطيط والإختبار التي تتوفر له، ليستخدم منها ما يلبي احتياجه. ولا ينسى بأن يفرق بين ما يجب إعداده لإتخاذ قراره الشخصي وبين ما يقوم بإعداده لإقناع جهه ما بدعم بمشروعه. تتمحور المسألة كلها حول مهارة استخدام المعلومات المتاحة واستغلال وسائل معالجتها فنياً، لتنكشف الفكرة بشفافية ومن ثم يتم تعديلها وتطويرها حتى يتأكد من جدواها. لذا، لا يتعامل الريادي مع هذه الوسائل كمتطلبات بيروقراطية للمشروع، فلا يعبأ بها إلا اذا اضطر. ولا يضيع وقته في تنويعها وتكرارها بلا معنى ولا فائدة، بل يحدد ما يحتاجه منها ويقوم بتنفيذها بكل دقة حتى يصبح أقرب لهدفه الذي يطمح إلى تحقيقه.

*نشر في الإقتصادية الإلكترونية بتاريخ 11 يوليو 2012

 

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

w

Connecting to %s

المدونة لدى وردبرس.كوم. قالب: Baskerville 2 بواسطة Anders Noren.

أعلى ↑

%d مدونون معجبون بهذه: