أولمبياد لندن وصناعة الحدث

اليوم، لا يمثل الأولمبياد تظاهرة رياضية عالمية فقط، فهو مثال لصناعة باتت مستقلة ومجال تنموي متكامل يرتكز على ثقافة الحدث و يتغذى من اقتصاد الحدث. يبرر هذا الدور العظيم محاولات الاستضافة المستميتة التي تقوم بها مختلف المدن العالمية لتحوز مكتسبات هذه الصناعة، كالحصول على الربح المادي المباشر وتطوير العمق الاقتصادي لبلدانها إضافة إلى الحضور والسمعة العالمية وفرص التواصل التي لا تنتهي.

لا تستقل الأحداث الرياضية وحدها بصناعة الحدث، فالمناسبات الثقافية والمؤتمرات العلمية والتجارية بل وحتى المهرجانات السياحية الصيفية تمثل فرص جيدة لتفعيل هذا الدور المهم. كذلك، لا يجب أن يكون الحدث ذو بعد دولي وعلى نطاق واسع حتى يستفاد منه، فهناك نماذج لمهرجانات على مستوى القرية تستفيد من ثقافة الحدث اقتصاديا وتنمويا وتساهم في رفاه مجتماعاتها على نطاق واسع وهي فعليا مجرد مناسبات صغرى ولكن يتم استغلالها بطريقة ذكية، تكسب قوتها بالتكرار والدورية. على سبيل المثال، مهرجانات الزيتون في القرى الإيطالية، ومهرجانات الأسواق المفتوحة في بقية القرى الأوربية.

في لندن، حرص المنظمون ورواد تنمية هذه المدينة الحديثة-العتيقة على إبراز الجانب السيء منها حتى يقنعوا أصحاب القرار بأحقيتها في الاستفادة من فرصة الأولمبياد. عرضوا خلال ملف الاستضافة صورا لأحياء شرق لندن المتهالكة، واليوم يعمل سكان شرق لندن – الذين كانوا يمثلون أعلى نسب البطالة في المملكة المتحدة- في أحدث المدن الرياضية في العالم. اقتصاد الحدث ليس فرصة للتنمية البشرية فحسب بل هو منجم للوظائف وجنة للمتخصيين الذين يصنعون القيمة من فتات الفرص.

إن ثقافة الحدث من أقرب التطبيقات المباشرة للعلاقات العامة والتسويق والإعلام. ولا يكاد يتسع موقع، في بيئتنا المحلية مثلا، للأفواج القادمة من المتخرجين في هذه المهن كهذه الصناعة. في الحقيقة، بالفعالية الاقتصادية الناتجة من هذه الصناعة تزدهر كل المهن، بلا استثناء. نحن نحظى بمتغييرات كثيرة قادمة وبمكتسبات “حدثية” ثابتة، كالحج مثلا. نالت لدينا “السياحة الدينية”، على سبيل المثال، أهمية معتبرة ولكن حسن الإستقبال والتوديع لن يوفر التطبيقات العملية المتقدمة التي تصنع الفرص المهنية المختلفة. وبالتأكيد، هذا لن يكفي لتحقيق العائد الحقيقي العادل للمجتمع الذي يحضى بميزة الإستضافة النسبية.

لن تحصل الاستفادة من اقتصاد الحدث بالمصادفة ولا يكفي حسن الإدارة ونجاح الموسم بلا مشاكل لتحقيق النتيجة التنموية المرجوة. فالمسألة تحتاج إلى قدر عالي من التنسيق والتخطيط. وقبل ذلك نية معلنة مشتركة تبدأ من أعلى سلطة تنموية وتنتهي إلى موظف البقالة وسائق الأجرة. لينتقل بذلك الحدث من الفرصة الضائعة إلى صنع القيمة، من اللحظة العابرة إلى الأثر المستمر، ومن تأدية الواجب إلى التنمية الحقيقية التي ينتظرها أفراد المجتمع.

من قبل الحدث بسنتين تقريبا وإكسسوارات أولمبياد لندن تباع في مختلف المدن البريطانية. شعار البطولة – وهو مجرد عبارة من ثلاث كلمات – أصل استثماري معتبر. كل زائر محتمل خلال الأولمبياد هو فرصة استثمارية واعدة. حتى التاجر والسياسي والفنان الذي يزور الحدث استجابةً للبروتوكول، هو نجم منتظر في ساحات العلاقات العامة التي تعج بالآخرين الذين يستفيدون من “هوامش” الفرص. بل إن الحدث يُستخدم محليا لإقناع المشرّعين بالموافقة على قرارات المدينة الاستراتيجية. الحدث – لمن يريد- عبارة عن فرصة عظيمة متعددة الفوائد.

بالتأكيد لن تنجح أي دولة آخرى بإستنساخ ما تقوم به لندن، لخصائصها النادرة، ولكن هذا لا يمنع الدول والمدن الطموحة من الاسترشاد بتجارب المتقدمين ثم العمل على ابتكار نموذجها الخاص من اقتصاد الحدث. وكأي عمل مختلف تكون البداية بالثقة في قدرة التغيير والعمل على إثراء ثقافة الحدث لدى أفراد المجتمع. الإمكانيات المتواضعة، في وجود النية والعمل المتقن، قابلة للدمج والإنتاج في صورة بهية مميزة. وهذه هي فرصة الدول النامية لإثراء هذه الصناعة الجديدة، الضرورية جدا لتكامل الحدث مع المعرفة والإنتاج.

* نشر كمقال في الاقتصادية الالكترونية بتاريخ 28 يوليو 2012

Advertisements
حول

Contributor

أرسلت فى كتابات آخرى, اقتصاديات وطن, تنمية ومجتمع

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s

أدخل إيميلك هنا لإرسال رابط مقالنا الجديد لك

انضم 2٬815 متابعون آخرين

انستقرام
من الغريب أن تحاول بيع منتج يكتب عليه: (ليس له أي فائدة!) وعلى الرغم من ذلك ينجح.. وكم راقصت منطلقا من أفراحٍ ومن نغمٍ...
واليوم أراقص في مكاني شوكا وهجرانا.. #لندن هذا الصباح "الجز" متعة، بس حوسة شوي...
التفكير وسيلة ( أم غاية؟) و هو أساس التغيير و حافز الإنجاز و السبب الحيوي الطبيعي للإبداع. وقود التقدم الذي يحيي التأثير فيأتي الإنتاج. التفكير مخرج المشاكل و حل المعضلات و به تخطط المشاريع و ترسم المخططات و تعبر الأنفس عن دواخلها و تعالج ما تكتنز الأدمغة من الكم اللا محدود من المعلومات. بالتفكير نستقل، و تُصنع الخصوصية و يظهر عقل الإنسانية و يعمل كما يجب أن يعمل. شعلة التفكير الأولى: مشاهدة..وقراءة..
سَعادَتُك إنعِكاسُ أفكارك!
%d مدونون معجبون بهذه: